محمود خالد الغرايبة

الباشا محمود الخالد غرايبة

(1900–1979)

الباشا محمود خالد شحادة الغرايبة

يُعدّ الباشا محمود خالد شحادة الغرايبة أحد أبرز رجالات الرعيل الأول في شمال الأردن، ومن الشخصيات التي اقترنت ببدايات الإدارة الحديثة والعمل الوطني العروبي، وجسّدت معنى الخدمة العامة بوصفها مسؤولية أخلاقية ووطنية قبل أن تكون منصباً أو وجاهة.

النشأة والتكوين

وُلد محمود الخالد الغرايبة عام 1900م في بلدة المُغيِّر بمحافظة إربد، ونشأ في بيئة ريفية محافظة أولت التعليم والعمل العام أهمية خاصة. التحق بالمكتب الابتدائي في إربد، وأتقن اللغة التركية القديمة إلى جانب العربية، الأمر الذي أهّله للالتحاق مبكراً بالوظيفة الحكومية في أواخر العهد العثماني، حيث عمل كاتباً للضبط ومحضّراً في المحاكم الشرعية والنظامية.

من الحكومة العربية إلى إمارة شرق الأردن

بعد خروج العثمانيين من المنطقة العربية، أصبحت مناطق شرقي الأردن تابعة للحكومة العربية الفيصلية في دمشق (1918–1920). ومع سقوط تلك الحكومة نتيجة التواطؤ البريطاني–الفرنسي، كان محمود الخالد—رغم حداثة سنّه—في مقدّمة رجالات شمال الأردن الذين بادروا إلى تشكيل حكومة محلية في إربد برئاسة علي خلقي باشا الشرايري، وتولّى فيها منصب رئيس كتاب المحكمة.

ومع تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921م، عُيّن كاتباً للرسائل في الكرك، ثم نُقل إلى جبل عجلون (منطقة إربد) خلفاً لعمر المعاني، بكتاب تعيين وقّعه رئيس النظار وبراتب سنوي 138 جنيهاً فلسطينياً (العملة المتداولة آنذاك) وبالدرجة التاسعة. وفي عام 1928م نُقل كاتباً للرسائل في جرش، ثم عُيّن في العام ذاته مديراً لناحية العراق (مؤتة – الكرك)، قبل أن تشمل التنقّلات تعيينه كاتباً لرسائل مادبا. وفي 1929م قُبلت استقالته من وظيفة كاتب الرسائل في الطفيلة.

مواقع إدارية ومسؤوليات عامة

عقب تحويل قائمقامية عجلون إلى مديرية ناحية عام 1933م، عُيّن محمود الخالد مديراً لناحية عجلون، ثم رُفِّع عام 1937م إلى قائمقام جرش، حيث أشرف على تسجيل الناخبين ورفع تقارير رسمية أكّدت نزاهة الجداول الانتخابية وسلامة الإجراءات.

وفي عام 1939م اختير رئيساً لبلدية إربد، ثم عُيّن عام 1942م قائمقاماً في وزارة الداخلية في مادبا ولاحقاً في جرش، بقرار من رئيس الوزراء توفيق أبو الهدى. وفي 1943م أُحيل إلى التقاعد بناءً على طلبه.

نشاط وطني ومواقف عروبية

على الصعيد الوطني، كان محمود الخالد الغرايبة شعلة متقدة بالنشاط في الجناح الشبابي للحركة الوطنية الأردنية ذات التوجّه العروبي. عُرف بجرأته في فضح ممارسات الاستعمار البريطاني والفرنسي، وبانحيازه العلني إلى فلسطين في مواجهة المشروع الصهيوني. شارك في المظاهرات واللقاءات والعرائض، وتعرّض للملاحقة، واضطر إلى اللجوء مؤقتاً إلى سوريا مع عدد من رفاقه، قبل أن يعود إلى الأردن بطلب من الأمير المؤسس عبد الله بن الحسين، رغم معارضة السلطات البريطانية.

الزراعة واستصلاح الأغوار

بعد التقاعد، تفرّغ للزراعة، وكان من أوائل روّاد استصلاح أراضي الأغوار؛ إذ استصلح أرضاً في منطقة الكريمة (الأغوار الشمالية) بمحاذاة نهر الأردن، محوّلاً إياها من أرض موحشة إلى منتجة، بمساعدة سكان الأغوار من عرب البلاونة. وكان ينظر إلى الأرض نظرة قيمية أخلاقية، ويؤمن بأن زراعتها واجب وطني حتى لو ترتّبت عليها ديون أو خسائر بفعل القحط والآفات وكثرة التكاليف.

الوجاهة في خدمة الناس

وظّف الشيخ محمود الخالد الغرايبة وجاهته العشائرية وعلاقاته الواسعة—ومنها صداقاته مع رجالات الأردن من شيوخ العشائر—وثقة المسؤولين، وفي مقدّمتهم الأمير/الملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين الذي منحه لقب الباشا، في خدمة أبناء الشعب. طالب بدعم المزارعين، وتطوير الخدمات، وزيادة المنشآت، وتابع قضايا الناس في عموم محافظة إربد التي كانت تضم آنذاك أقاليم الشمال الأربعة (إربد، المفرق، جرش، عجلون).
كان ملاذاً لكل صاحب حاجة، ولم يُعرف عنه استغلال الوجاهة لمنفعة شخصية له أو لأبنائه أو أقاربه؛ بل تحمّل مشاق السفر إلى عمّان سعياً لرفع مظلمة، أو تخفيف غرامة، أو تفويض أرض، أو تعيين خريج، أو نقل معلمة إلى موطنها.

العمران والتعليم

اهتم بالعمران، وعدّ بناء المسكن مساهمةً في إعمار البلاد. أنجز أول بناء مقراً لأول مستشفى في إربد مستأجراً من وزارة الصحة. وبعد انتقال المستشفى إلى مستشفى الأميرة بسمة غرب المدينة، هُدم المبنى في مطلع الستينيات ليُقام على أرضه سوق البخارية—الأول من نوعه في إربد—ثم أضيف لاحقاً طابق علوي كان أيضاً سابقة عمرانية في قلب المنطقة التجارية.
وفي التعليم، عُرف بحماسه الشديد؛ إذ تكفّل بدفع رواتب معلّم مدرسة المُغيِّر عند شحّ المخصّصات، وحرص على تعليم أبنائه.

الأسرة والإرث الثقافي

أرسل ابنه البكر عبد الكريم إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم ابتُعث إلى جامعة لندن، ليكون أول أردني يحصل على الدكتوراه في التاريخ عام 1951م، وأحد أوائل العاملين في الجامعة الأردنية عند تأسيسها عام 1962م. وخلّد الابن ذكرى والده بتخصيص منحة سنوية باسمه لمتفوق في الثانوية من محافظة إربد.
ومن أنجاله: طريف (حقوق – جامعة اليرموك)، والمرحوم وائل (حقوق – وزارة البلديات)، والمرحوم هيثم (قاضٍ وعضو محكمة العدل العليا)، والدكتور فيصل (التنمية الاجتماعية في الأردن والبحرين وجامعة الدول العربية، والتعليم العالي، وناشط ثقافي واجتماعي).

الرحيل

انتقل الباشا محمود خالد شحادة الغرايبة إلى رحمة الله تعالى عام 1979م، وبقي اسمه حاضراً في الذاكرة الوطنية والعشائرية بوصفه رجل دولة وإدارة ووجاهة، أسهم بإخلاص في بناء الدولة الأردنية الحديثة، وترك إرثاً من القيم والعمل العام المسؤول.

الباشا مخمود-الخالد-غرايبة1

كم كانت هذه المعلومات مفيدة؟

اختار نحمة للتقييم

التقييم المتوسط / 5. عدد الأصوات

لا يوجد اصوات, كن أول من يصوت

حيث انك وجدت المقال مفيد

تابعنا على شبكات التواصل الاجتماعي

ناسف لانك لم تجد المقل مفيد

ساعدنا بتطوير المقال

اخبرنا كيف يمكن تطوير المقال