محمد سالم اللحّام الغرايبة
(توفى عام 2003)
المرحوم الحاج محمد سالم اللحّام الغرايبة
في الذاكرة الشعبية لبلدة حوارة في لواء إربد تبقى أسماءٌ قليلة ارتبطت بالمهنة والصدق معًا، أسماءٌ عرفها الناس في الأسواق قبل أن يعرفوها في السجلات، وبقيت حاضرة في أحاديث المجالس بعد أن غابت وجوه أصحابها. ومن بين هذه الأسماء يبرز اسم المرحوم الحاج محمد سالم اللحّام الغرايبة، الذي عرفه أهل البلدة على مدى عقود طويلة بوصفه واحدًا من رجال المهنة الشرفاء الذين اقترنت حياتهم اليومية بخدمة الناس والعمل الدؤوب.
لم يكن حضوره في حياة البلدة حضورًا عابرًا، بل كان امتدادًا لتاريخ مهني قديم ارتبط بعائلته وبالسوق المحلي في حوارة، حيث عُرف بالاجتهاد والصبر وحسن المعاملة، وبالخلق الرفيع الذي جعل الناس يذكرونه بالخير حتى بعد رحيله.
وقد انتقل إلى رحمة الله تعالى في السادس من نيسان عام 2003، بعد عمرٍ قضاه بين الناس وفي خدمة مهنته، تاركًا وراءه سيرةً طيبةً وذكرًا حسنًا بين أبناء بلدته.
النشأة والبدايات
نشأ المرحوم محمد سالم اللحّام الغرايبة في بيئةٍ ريفية بسيطة في بلدة حوارة، وهي البلدة التي عُرفت عبر تاريخها بروابطها الاجتماعية القوية وبأهلها الذين توارثوا المهن والحرف جيلاً بعد جيل.
وكانت مهنة الجزارة والذبح واحدة من المهن التقليدية التي احتاجها المجتمع المحلي بشكل يومي، فتعلمها منذ شبابه المبكر، مستندًا إلى خبرة عائلية سابقة، إذ عُرف أن والده كان من أوائل القصابين في حوارة، وهو ما جعل هذه المهنة تنتقل إليه بوصفها إرثًا عمليًا ومعرفيًا في آن واحد.
وفي تلك السنوات، لم تكن المهنة سهلة، فقد كانت تعتمد على الجهد اليدوي والخبرة الطويلة، وعلى معرفة دقيقة بأساليب الذبح والسلخ والتقطيع، إضافة إلى التعامل المباشر مع الناس وأذواقهم واحتياجاتهم اليومية.
أكثر من نصف قرن في المهنة
قضى المرحوم محمد سالم اللحّام الغرايبة أكثر من خمسين عامًا في ممارسة هذه المهنة، وهي مدة طويلة جعلته شاهدًا على تحولات كبيرة في حياة البلدة وسوقها.
ففي البدايات، كان البيع يتم في أجواء بسيطة يسودها التعارف والثقة، وكان الناس يشترون اللحم وفق قدرتهم المادية، وأحيانًا على الحساب أو “الدين”، لأن العلاقة بين البائع وأهل البلدة كانت تقوم أساسًا على الثقة المتبادلة.
وقد كان المرحوم محمد سالم اللحّام الغرايبة من أولئك الرجال الذين حافظوا على هذا التقليد الاجتماعي الجميل، إذ عُرف عنه أنه كان يتعامل مع الناس بصدق وسماحة، ويضع الاعتبارات الإنسانية فوق الحسابات المادية، وهو ما أكسبه احترام الجميع.
وكانت خبرته الطويلة في المهنة تجعله مرجعًا لكثير من أبناء البلدة في تفاصيلها، فقد عرف أدق أسرارها، من اختيار الذبائح إلى تقطيع اللحم، حتى أصبحت مهنته جزءًا من هويته الشخصية في نظر الناس.
أبو مروان… اسمٌ يعرفه السوق
عرفه كثير من أهل حوارة باسم “أبو مروان”، وهو الاسم الذي التصق به في السوق وبين الناس.
وكان حضوره في السوق حضورًا يوميًا مألوفًا؛ فقد اعتاد أهل البلدة أن يروا وجهه منذ ساعات الصباح الأولى، منشغلاً بعمله، متابعًا تفاصيل المهنة التي أحبها وأخلص لها طوال حياته.
ومع مرور السنين أصبح اسمه جزءًا من ذاكرة السوق القديم في حوارة، شأنه شأن عدد من رجال المهن التقليدية الذين شكلوا معًا ملامح الحياة اليومية في البلدة خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
صفاته الشخصية وسمعته بين الناس
لم يكن المرحوم معروفًا بمهنته فقط، بل كان معروفًا أيضًا بصفاته الشخصية التي جعلت الناس يذكرونه باحترام.
فقد عُرف عنه:
الصدق في المعاملة
الهدوء والتواضع
حب مساعدة الآخرين
الالتزام بأخلاقيات المهنة
وكان من الرجال الذين يحافظون على علاقات طيبة مع الجميع، فلا يكاد يخلو مجلس في البلدة من ذكره بالخير، خصوصًا بين من عرفوه عن قرب أو تعاملوا معه عبر سنوات طويلة.
وكانت هذه السمعة الطيبة هي رأس ماله الحقيقي في الحياة، وهي ما جعل ذكراه تبقى حاضرة في قلوب أبناء البلدة.
الأسرة والامتداد العائلي
ترك المرحوم محمد سالم اللحّام الغرايبة بعد رحيله أسرةً كريمةً وأبناءً حملوا اسمه وذكراه، واستمروا في حياتهم بين أهلهم وأبناء مجتمعهم.
وقد كان بيته واحدًا من البيوت المعروفة في حوارة، حيث امتدت علاقاته الاجتماعية عبر العائلة الكبيرة وعبر علاقات الجيرة والعمل التي استمرت لسنوات طويلة.
وكما هو حال كثير من رجال تلك المرحلة، فقد كان يرى في الأسرة والبلدة امتدادًا طبيعيًا لحياته، فكان قريبًا من الناس، حاضرًا في أفراحهم وأتراحهم، ومشاركًا في مناسباتهم الاجتماعية.
رحيله وبقاء الذكر الطيب
في السادس من نيسان عام 2003، طوى الموت صفحة حياةٍ طويلة من العمل والالتزام، فرحل المرحوم محمد سالم اللحّام الغرايبة عن هذه الدنيا، بعد أن ترك وراءه سيرةً طيبةً في قلوب من عرفوه.
غير أن الرجال الذين يعيشون حياتهم بصدق لا يرحلون تمامًا؛ إذ تبقى ذكراهم حاضرة في ذاكرة المكان، وفي الأحاديث التي يتناقلها الناس عن زمنٍ كانت فيه العلاقات أبسط، والمهن أكثر ارتباطًا بالأخلاق.
وهكذا بقي اسم أبي مروان واحدًا من الأسماء التي تستعاد كلما جرى الحديث عن رجال السوق القديم في حوارة، وعن جيلٍ كامل من أبناء البلدة الذين صنعوا حياتهم بالعمل الشريف والسمعة الطيبة.
رحم الله الحاج محمد سالم اللحّام الغرايبة،
وجعل ذكراه الطيبة باقية في قلوب أهله وأبناء بلدته.
