خليل إبراهيم الرحيل الغرايبة
(1916 – 1973)
المرحوم الأستاذ خليل إبراهيم الرحيل الغرايبة (ابو فاروق)
يُعدّ الأستاذ خليل إبراهيم الرحيل الغرايبة من الشخصيات التربوية والثقافية التي تركت أثراً واضحاً في مسيرة التعليم في الأردن خلال النصف الأول من القرن العشرين. وقد جمع في شخصيته بين المعلّم المربي، والمثقف الأديب، والخطيب المؤثر، والإنسان الذي آمن بأن رسالة التعليم ليست مجرد وظيفة، بل رسالة أخلاقية وإنسانية سامية.
وقد جسّد في حياته المعنى العميق للبيت الشهير لأمير الشعراء أحمد شوقي:
قم للمعلم وفّه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
فقد كان ممن استمعوا إلى هذه الكلمات وجعلوها نهجاً لحياتهم وسلوكهم، فغدا مثالاً للمعلم الذي جمع بين الحكمة والمعرفة والتربية والأخلاق في زمن كان فيه التعليم رسالة وطنية وقومية قبل أن يكون مهنة.
لقد كان خليل إبراهيم الرحيل الغرايبة، المعروف بين معاصريه بلقب “أبو فاروق”، واحداً من أولئك الرجال الذين أسهموا في بناء اللبنات الأولى لمنظومة التعليم في الأردن في مرحلة مبكرة من تاريخ الإمارة والمملكة، حين كان المعلم يمثل ركناً أساسياً في تشكيل الوعي الوطني والثقافي للأجيال.
النشأة والبدايات
وُلد الأستاذ خليل إبراهيم الرحيل الغرايبة عام 1916 في مدينة إربد شمال الأردن، في مرحلة تاريخية كانت تشهد تحولات كبيرة في بلاد الشام بعد نهاية العهد العثماني وبداية مرحلة الانتداب البريطاني.
نشأ في أسرة معروفة في عشيرة الغرايبة، وكان والده إبراهيم الرحيل الغرايبة من وجهاء العشيرة المعروفين. أما والدته فهي عذرا الشخاترة من بلدة تقبل. وقد كان الابن البكر والوحيد لوالده، وله أخت شقيقة هي قطنة، إضافة إلى شقيقتين غير شقيقتين هما وزيرة و نهاد من زوجة والده الأخرى آمنة إبراهيم الخالد الغرايبة.
نشأ في بيئة اجتماعية تقدّر العلم وتولي التعليم مكانة عالية، وكان لاهتمام والده بالتعليم وتشجيعه له دور مهم في تشكيل شخصيته العلمية والثقافية منذ سن مبكرة.
وقد ظهرت عليه منذ صغره علامات التفوق والاهتمام بالمعرفة والأدب، الأمر الذي مهّد له طريقاً مبكراً نحو العمل في مجال التعليم.
التعليم والتكوين الفكري
تلقى الأستاذ خليل الغرايبة تعليمه الابتدائي في مدرسة إربد الثانوية، التي كانت آنذاك من المؤسسات التعليمية المهمة في شمال الأردن.
وبعد إنهائه المرحلة الابتدائية، انتقل إلى مدرسة السلط الثانوية، التي كانت في تلك الفترة أحد أهم الصروح التعليمية في شرق الأردن. وكانت مدرسة السلط بمثابة مدرسة لتكوين القيادات الوطنية والفكرية، حيث تخرّج منها العديد من الشخصيات السياسية والإدارية والثقافية التي أسهمت في بناء الدولة الأردنية.
في هذه البيئة التعليمية الوطنية، تعززت لدى خليل الغرايبة مفاهيم الوطنية والقومية العربية، وتشكل وعيه السياسي والثقافي في ظل الظروف التاريخية التي كانت تمر بها المنطقة.
فقد كانت تلك المرحلة مشبعة بروح النهضة العربية، وبالتطلع إلى مستقبل عربي مشترك يمتد “من المحيط إلى الخليج”، وهو ما انعكس على شخصيته الفكرية والثقافية في سنواته اللاحقة.
موقفه الوطني وتركه العمل الحكومي
بعد تخرجه من مدرسة السلط الثانوية في فترة الانتداب البريطاني، التحق بالعمل في دائرة المساحة، وهي دائرة كانت تدار آنذاك من قبل مسؤول بريطاني.
لكن حسّه الوطني والقومي دفعه إلى اتخاذ موقف مبدئي واضح، إذ لم يقبل أن يعمل تحت إدارة تمثل السلطة الاستعمارية الأجنبية. ولذلك قرر الاستقالة من عمله في الدائرة، مفضلاً أن يعمل معلماً براتب بسيط على أن يبقى في وظيفة يرى فيها خضوعاً لهيمنة الاحتلال.
وكان هذا القرار نقطة تحول مهمة في حياته.
ففي عام 1937 التحق بوزارة المعارف الأردنية معلماً، وبدأ مسيرته التربوية في منطقة الجفر الواقعة في عمق الصحراء الأردنية.
تجربة الجفر وبداية المسيرة التربوية
لم يكن الوصول إلى منطقة الجفر في تلك السنوات أمراً سهلاً، فقد كانت منطقة نائية وصعبة الوصول، لكن خليل الغرايبة قبل التحدي بروح المعلم المؤمن برسالته.
وكانت صحراء الجفر بفضائها الواسع وقمرها المنير مصدر إلهام له، فبدأ ينظم الشعر ويقرأ في الأدب والثقافة، مما أسهم في صقل شخصيته الأدبية والفكرية.
وقد انعكس هذا الثراء الثقافي على أسلوبه في التعليم، فكان يجمع بين المعرفة والبلاغة والخطابة، ويستخدم الشعر والأدب والمسرح في إيصال الأفكار إلى طلابه.
وبمرور الوقت أصبح معروفاً بقدرته الخطابية المميزة، وبحبه للفنون الراقية مثل المسرح والغناء الأدبي، إضافة إلى اهتمامه الكبير بالشعر العربي.
اهتمامه بالأدب والمسرح
لم يكن اهتمام خليل الغرايبة بالأدب مجرد هواية عابرة، بل كان جزءاً من شخصيته الثقافية.
فقد كتب الشعر والنثر، وكان يجيد الخطابة، كما ألف مسرحية تاريخية بعنوان “معركة القادسية” أثناء عمله مدرساً في بلدة الشجرة في شمال الأردن.
وقام بإخراج المسرحية وإنتاجها على نفقته الخاصة، وشارك في تمثيلها طلاب المدرسة.
وقد عُرضت المسرحية عام 1957 في عدة مدن، منها:
قصر هشام في أريحا
مدينة نابلس
مدينة مادبا
وكانت هذه التجربة المسرحية من التجارب التعليمية والثقافية المميزة في تلك الفترة، إذ تجاوزت حدود المدرسة لتصل إلى جمهور واسع.
وما يميز هذه المبادرة أن ريع المسرحية كاملاً خُصص لدعم ثوار فلسطين، في موقف يجسد عمق التزامه القومي والإنساني تجاه القضية الفلسطينية.
ولا يزال أهالي بلدة الشجرة يذكرون هذه المسرحية بوصفها حدثاً ثقافياً مهماً في تاريخ البلدة.
رحلاته ومعرفته بالجغرافيا الأردنية
لم يقتصر اهتمامه على الأدب، بل امتد فضوله المعرفي إلى الجغرافيا والتاريخ الاجتماعي للأردن.
فقد جاب مناطق مختلفة من البلاد خلال عمله في التعليم، وتعرّف على طبيعة المجتمع الأردني وتقاليده، واكتسب صداقات واسعة في المدن والقرى التي عمل فيها.
وقد أسهمت هذه الرحلات في توسيع أفقه الثقافي وتعزيز علاقاته الاجتماعية.
وفي سبعينيات القرن العشرين كان له عمود صحفي في صحيفة “الأقصى” التي كانت تصدر آنذاك، وكان يكتب فيه حول قضايا ثقافية واجتماعية.
شخصيته وأسلوب حياته
عرف الأستاذ خليل الغرايبة بين معاصريه بشخصيته الأنيقة والوقورة.
فقد كان حسن الهندام، وكان الاهتمام بالمظهر جزءاً من شخصيته العامة.
كان يرتدي البدلة الرسمية ويعتمر الكوفية البيضاء، في مزيج يعكس توازناً بين الأصالة والحداثة.
كما كان ينتعل حذاءً بكعب مرتفع، وهو تفصيل كان يلفت الانتباه ويضفي على حضوره هيبة مميزة.
وكان معروفاً أيضاً بروحه الاجتماعية الودودة، وقدرته على الإصلاح بين الناس، إذ كان كثيراً ما يُستعان به في إصلاح ذات البين.
التقاعد والعمل الاجتماعي
بعد ثلاثين عاماً من العمل في التعليم، قرر أن يحيل نفسه إلى التقاعد عام 1967.
لكن التقاعد لم يكن نهاية عطائه، بل بداية مرحلة جديدة من العمل الاجتماعي والخيري.
فقد كرّس وقته لخدمة المجتمع، والإسهام في حل النزاعات الاجتماعية، ومساعدة الناس في مختلف شؤونهم.
أسرته وأبناؤه
تزوج الأستاذ خليل الغرايبة من المرحومة سلطانة المحافظة، وأنجب منها عدداً من الأبناء والبنات الذين حرص على تربيتهم على حب العلم والمعرفة.
وقد أثمرت هذه التربية عن أبناء وبنات حققوا نجاحات علمية ومهنية بارزة.
أبناؤه
فاروق – عميد متقاعد
فهر – متقاعد من الشركة الأمريكية للتأمين
البروفيسور مازن
الدكتور خلدون – أخصائي المسالك البولية
إبراهيم – مغترب في أستراليا
بناته
سهام – زوجة أحمد الرشيدات
سميرة – زوجة ناصر الجبر
منيرة – زوجة قتيبة علي ياسين
إيمان (نهى) – زوجة المهندس محمود سليم غرايبة
وقد كان يعتز بأبنائه وبناته الذين واصلوا مسيرة العلم والتعليم التي غرسها فيهم منذ الصغر.
التكريم الرسمي
تقديراً لدوره في خدمة التعليم في الأردن، أنعم عليه الملك الحسين بن طلال بوسام المعلم، وهو من الأوسمة التي مُنحت لعدد محدود من رواد التعليم في المملكة.
وقد جاء هذا التكريم اعترافاً بإسهاماته التربوية والثقافية، وبالدور الذي لعبه في بناء أجيال من الطلاب الذين تخرجوا على يديه.
رحيله
في 31 آذار / مارس 1973، رحل الأستاذ خليل إبراهيم الرحيل الغرايبة عن عمر ناهز 57 عاماً، بعد حياة حافلة بالعطاء في ميادين التعليم والثقافة والعمل الاجتماعي.
وقد جاء رحيله مفاجئاً، لكنه ترك خلفه سيرة حافلة بالمواقف النبيلة والإنجازات التربوية التي ما زالت حاضرة في ذاكرة من عرفوه ومن تتلمذوا على يديه.
إرثه التربوي والثقافي
يُذكر الأستاذ خليل الغرايبة اليوم بوصفه أحد المعلمين الذين أسهموا في تشكيل ملامح التعليم في الأردن في مرحلة مبكرة من تاريخ الدولة.
فقد كان نموذجاً للمعلم الذي جمع بين:
العلم والتربية
الوطنية والالتزام القومي
الثقافة الأدبية والفكرية
العمل الاجتماعي والإنساني
ولذلك بقيت سيرته حاضرة في ذاكرة المجتمع المحلي وفي تاريخ الأسرة، بوصفه أحد المعلمين الملهمين الذين جعلوا من التعليم رسالة حياة.
