أصل عشيرة الغرايبة : رواية تاريخية في الهجرة والاستقرار والتفرّع
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
ترسم هذه السطور صورة تاريخية متماسكة تروي بدايات العشيرة ، ومسارات هجرتها ، ومحطات استقرارها ، حتى غدت اليوم من العشائر الراسخة في شمال الأردن وفلسطين .
الجذور الأولى : من شبه الجزيرة العربية إلى تخوم الشام :
تشير الروايات المتناقلة إلى أن البدايات الأولى لعشيرة الغرايبة كانت في شبه الجزيرة العربية ، وتحديداً في البيئة الممتدة بين الحجاز وبلاد شمر في منطقة العلا وما جاورها ، وهي منطقة عرفت عبر التاريخ بأنها منطلق لكثير من الهجرات العربية شمالاً ( تقع محافظة العلا في شمال غرب المملكة العربية السعودية حالياً ، وتتبع إدارياً لمنطقة المدينة المنورة . تُعد العلا ، التي تبعد حوالي 300 كم شمال المدينة المنورة ، وهي الان وجهة سياحية وتراثية عالمية ، تضم آثاراً عريقة مثل مدائن صالح الحجر والبلدة القديمة ، وتشتهر بتكويناتها الصخرية ، وواحاتها ، وتاريخها الضارب في القدم الذي يعود لآلاف السنين ) . وتذهب روايات أخرى إلى أن نسب العشيرة يتصل بعرب الحسن من قبيلة زبيد القحطانية ، وهي من القبائل العربية العريقة التي كان لها حضور لافت في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام .
وفي هذا الإطار ، تبدو منطقة جبل شمر بما تحمله من ثقل جغرافي وتاريخي إحدى المحطات التأسيسية في الذاكرة الشفوية للعشيرة ، إذ شكلت تلك البلاد مجالاً عربياً واسعاً انطلقت منه قبائل وأفخاذ كثيرة نحو شمال شبه الجزيرة العربية ، ثم إلى فلسطين وشرق الأردن ، بفعل دوافع اقتصادية وبيئية وسياسية ، من أبرزها شح الموارد وتقلب الأحوال والسعي إلى المراعي والاستقرار والأمن .
من ترقوميا جنوب فلسطين إلى طمون شمال فلسطين :
وفقاً للرواية الموروثة ، فقد اتجهت جماعات من الغرايبة من شبه الجزيرة العربية إلى جنوب فلسطين ، وكان أول موطن استقرار لهم في منطقة ترقوميا في الخليل ، ثم توزعت إقامتهم في جهات من جنوب فلسطين ، قبل أن تمتد حركتهم لاحقاً نحو الشمال الفلسطيني ، تحديداً إلى بلدة طمون في محافظة طوباس حالياً .
ولم تكن هذه الهجرة انتقالاً عابراً ، بل كانت بداية مرحلة جديدة في تاريخ العشيرة ، أعادت فيها بناء حضورها الاجتماعي في مواضع جديدة ، ونسجت صلتها بالأرض والناس ضمن بيئة شامية عربية ظلت تحتفظ بوشائجها القوية مع جذورها الأولى في شبه الجزيرة العربية .
الخريطة التاريخية لمسار هجرة عشيرة الغرايبة :
يوضح هذا المسار البصري الرحلة المتوارثة في الذاكرة الشفوية من العلا وبلاد شمر في شبه الجزيرة العربية ، إلى ترقوميا في الخليل ، ثم طمون ، ثم العبور إلى شرق الأردن عبر عجلون الهاشمية ، فجمحا وحوارة ، مع امتداد لاحق إلى المغير .
طمون : محطة مفصلية في تاريخ الغرايبة :
بعد مرحلة الاستقرار في جنوب فلسطين ، انتقل قسم من أبناء العشيرة إلى شمال فلسطين ، واستقروا في محيط نابلس ، وتحديداً في بلدة طمون التابعة اليوم لمحافظة طوباس . وقد أصبحت طمون إحدى أهم المحطات التاريخية لعشيرة الغرايبة ، إذ بقي فيها فرع من العشيرة حتى يومنا هذا ، وارتبط اسمها بذكريات ومواقف وطنية وشعبية متجذرة في الوجدان الفلسطيني .
وفي طمون يبرز اسم الثائر احمد حمد محمود الغرايبة ، المعروف بلقب أبو جلدة ، بوصفه من أوائل الثوار الفلسطينيين الذين تصدوا للانتداب البريطاني في فلسطين . ولا تزال مغارة أبو جلدة في طمون شاهدة على تلك المرحلة ، إذ ارتبطت بكونها المكان الذي كان يختبئ فيه من قوات الانتداب البريطاني ، لتبقى جزءاً من الذاكرة الوطنية والعشائرية في آن معاً ، وكذلك ابنه الشهيد مفضي الذي سار على خطى والده في النضال والمقاومة بعد حرب حزيران عام 1967 م والذي استشهد في تشرين الاول عام 1969 م .
العبور إلى شرق الأردن وتعدد مواطن الاستقرار :
مع الزمن ، لم تتوقف حركة الغرايبة عند حدود فلسطين ، بل عبر قسم منهم نهر الأردن باتجاه المرتفعات الشرقية ، فتوزعت محطاتهم في أكثر من موضع . وتشير الروايات إلى أن جزءاً منهم توجه إلى جبل عجلون ، وجزءاً آخر استقر في قرية جمحا الواقعة غرب محافظة إربد ، كما تذكر بعض الروايات ايضا أن للعشيرة حضوراً في المنطقة الجنوبية الشرقية من محافظة مادبا ، في المواضع التي عرفت لاحقاً بالفيحاء ضمن قضاء الفيصلية .
وهكذا أخذت العشيرة تتشكل على امتداد جغرافي واسع ، بين فلسطين وشرق الأردن ، مع بقاء خيط الرواية الشفوية رابطاً بين الفروع المختلفة ، ومؤكداً وحدة الأصل وتنوع مسارات الاستقرار .
من جمحا إلى حوارة : استقرار الثقل الأساسي للعشيرة :
تمثل جمحا محطة مهمة في انتقال العشيرة داخل شمال الأردن ، إذ تذكر الرواية أن الغرايبة بعد استقرارهم فيها لفترة ، والدليل على وجودهم في منطقة جمحا هو وجود مضافة لآل الغرايبة في هذه البلدة والتي بقيت إلى عهد قريب ماثلة للعيان قبل هدمها وبناء مبنى آخر ، انتقلوا إلى بلدة حوارة في شرق محافظة إربد ، وهناك بدأ الثقل الأساسي للعشيرة يتشكل بصورة أوضح . وفي حوارة أخذ الحضور الاجتماعي والسكاني للعشيرة يتجذر ، وأصبحت البلدة واحدة من أبرز مواطن الغرايبة في الأردن .
وقد أسهم هذا الاستقرار في صياغة هوية اجتماعية متماسكة للعشيرة ، قائمة على التساند ، وتمتين روابط القربى ، والإسهام في البناء المحلي ، والانخراط في شؤون المجتمع الاردني على نحو جعل اسم الغرايبة جزءاً أصيلاً من تاريخ المنطقة الحديث .
نشأة فرع المغير : الأرض والحماية وبداية التفرع :
تروي الذاكرة الشفوية أن جد الغرايبة في حوارة اشترى أرضاً في المغير ، وكان لهذا الشراء أثر بالغ في نشوء فرع جديد من العشيرة . إذ أقام اثنان من الإخوة في تلك الأرض لحمايتها ورعايتها ، ومن هنا بدأ تشكل فرع الغرايبة في قرية المغير ، الذي غدا لاحقاً من الفروع المعروفة للعشيرة في شمال الأردن .
وتكشف هذه الرواية عن صلة الغرايبة العميقة بالأرض ، لا بوصفها مورداً للرزق فحسب ، بل بوصفها عنواناً للاستقرار والامتداد العائلي والتجذر الاجتماعي . ومن هذه العلاقة الوثيقة بالأرض ولدت أنماط الاستقرار ، وتمايزت الفروع ، وتوزعت الأسر ، مع بقاء الأصل الجامع حاضراً في الذاكرة والوجدان .
ملامح المسار التاريخي للعشيرة :
بدايات في شبه الجزيرة العربية ، في البيئة الممتدة بين الحجاز وبلاد شمر ، مع حضور واضح في الرواية لمنطقة العلا بوصفها موطناً أولياً أو محطة تأسيسية .
الهجرة إلى جنوب فلسطين ، والاستقرار الأول في ترقوميا في الخليل ، ثم الانتشار في جهات من جنوب فلسطين .
الانتقال إلى شمال فلسطين ، والاستقرار في طمون ، حيث برز حضور الغرايبة في الحياة الاجتماعية والوطنية .
العبور إلى شرق الأردن ، وتوزعهم بين عجلون الهاشمية وجمحا وحوارة والمغير و قرى شرق مدينة مادبا ، مع نشوء فروع جديدة واستقرار الثقل الأساسي للعشيرة في شمال الأردن .
القيم والموروث الاجتماعي :
لم يكن تاريخ الغرايبة تاريخ انتقال جغرافي فحسب ، بل كان أيضاً تاريخاً من القيم المتوارثة التي صاحبت العشيرة في حلها وترحالها . فقد عرف أبناؤها بالتمسك بالعادات العربية الأصيلة ، وصون روابط القربى ، والقيام بدور فاعل في إصلاح ذات البين ، والانتماء العميق إلى الأرض والمجتمع .
كما أسهم أبناء العشيرة في الحياة العامة في المناطق التي استقروا فيها ، وكانوا جزءاً من البنية الاجتماعية والإدارية والزراعية في شمال الأردن وفلسطين ، الأمر الذي جعل تاريخهم فصلاً لا ينفصل عن السجل الاجتماعي للمكان الذي عاشوا فيه وشاركوا في بنائه .
خاتمة الرواية التاريخية :
إن أصل عشيرة الغرايبة ، كما تحفظه الروايات الشفوية المتوارثة ، هو قصة هجرة عربية ممتدة ، بدأت من شبه الجزيرة العربية في نطاق الحجاز وبلاد شمر والعلا ، ثم اتجهت إلى جنوب فلسطين حيث كان الاستقرار الأول في ترقوميا غرب محافظة الخليل ، قبل أن تنتقل إلى طمون في شمال الضفة الغربية في فلسطين ، ومنها عبر قسم من أبناء العشيرة إلى شرق الأردن ليستقروا في جمحا وحوارة والمغير ، مع امتدادات أخرى في مدينتي عجلون ومادبا ، وبقاء فرع من العشيرة في طمون حتى اليوم .
وهي رواية ، وإن كانت تحتاج في بعض جوانبها إلى مزيد من التوثيق والمقارنة بالمصادر التاريخية ، إلا أنها تظل ذات قيمة كبيرة بوصفها ذاكرة جمعية تحفظ مسار العشيرة ، وتكشف عن وحدة أصلها ، وتعدد مواطنها ، وعمق ارتباطها بالأرض والكرامة والهوية العربية الأصيلة .
