...
ARCHIVAL FAMILY HISTORY

أصل عشيرة الغرايبة : رواية تاريخية في الهجرة والاستقرار والتفرّع

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

ملاحظة توضيحية : إن تدوين الأنساب والبحث في أصول القبائل الأردنية والعربية يعد كشفاً لتاريخ عريق ، ورغم أنها مهمة شاقة تصعبها الهجرات وتداخل الأحلاف والاعتماد على الروايات الشفوية وكتابات الرحالة ، إلا أن الكتابة في هذا الميدان تظل محفوفة بالحساسية . ولا توجد شواهد وادلة وثائقية تؤكد انتشار عشيرة الغرايبة من الحجاز إلى فلسطين في ترقوميا بالخليل ثم طمون ، وصولاً إلى شرق الأردن حيث استقروا في جمحا والهاشمية وحوارة والمغير وكفرعان وغيرها من المناطق ، وقد ارتبط هذا الانتشار ببداية التدوين العثماني البسيط في القرن الرابع عشر الميلادي ، وتجلى بوضوح في سجلات الأراضي والمحاكم إبان التنظيمات في القرن التاسع عشر الميلادي .

ترسم هذه السطور صورة تاريخية متماسكة تروي بدايات العشيرة ، ومسارات هجرتها ، ومحطات استقرارها ، حتى غدت اليوم من العشائر الراسخة في شمال الأردن وفلسطين .

الجذور الأولى : من شبه الجزيرة العربية إلى تخوم الشام :

تشير الروايات المتناقلة إلى أن البدايات الأولى لعشيرة الغرايبة كانت في شبه الجزيرة العربية ، وتحديداً في البيئة الممتدة بين الحجاز وبلاد شمر في منطقة العلا وما جاورها ، وهي منطقة عرفت عبر التاريخ بأنها منطلق لكثير من الهجرات العربية شمالاً ( تقع محافظة العلا في شمال غرب المملكة العربية السعودية حالياً ، وتتبع إدارياً لمنطقة المدينة المنورة . تُعد العلا ، التي تبعد حوالي 300 كم شمال المدينة المنورة ، وهي الان وجهة سياحية وتراثية عالمية ، تضم آثاراً عريقة مثل مدائن صالح الحجر والبلدة القديمة ، وتشتهر بتكويناتها الصخرية ، وواحاتها ، وتاريخها الضارب في القدم الذي يعود لآلاف السنين ) . وتذهب روايات أخرى إلى أن نسب العشيرة يتصل بعرب الحسن من قبيلة زبيد القحطانية ، وهي من القبائل العربية العريقة التي كان لها حضور لافت في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام .

وفي هذا الإطار ، تبدو منطقة جبل شمر بما تحمله من ثقل جغرافي وتاريخي إحدى المحطات التأسيسية في الذاكرة الشفوية للعشيرة ، إذ شكلت تلك البلاد مجالاً عربياً واسعاً انطلقت منه قبائل وأفخاذ كثيرة نحو شمال شبه الجزيرة العربية ، ثم إلى فلسطين وشرق الأردن ، بفعل دوافع اقتصادية وبيئية وسياسية ، من أبرزها شح الموارد وتقلب الأحوال والسعي إلى المراعي والاستقرار والأمن .

من ترقوميا جنوب فلسطين إلى طمون شمال فلسطين :

وفقاً للرواية الموروثة ، فقد اتجهت جماعات من الغرايبة من شبه الجزيرة العربية إلى جنوب فلسطين ، وكان أول موطن استقرار لهم في منطقة ترقوميا في الخليل ، ثم توزعت إقامتهم في جهات من جنوب فلسطين ، قبل أن تمتد حركتهم لاحقاً نحو الشمال الفلسطيني ، تحديداً إلى بلدة طمون في محافظة طوباس حالياً .

ولم تكن هذه الهجرة انتقالاً عابراً ، بل كانت بداية مرحلة جديدة في تاريخ العشيرة ، أعادت فيها بناء حضورها الاجتماعي في مواضع جديدة ، ونسجت صلتها بالأرض والناس ضمن بيئة شامية عربية ظلت تحتفظ بوشائجها القوية مع جذورها الأولى في شبه الجزيرة العربية .

الخريطة التاريخية لمسار هجرة عشيرة الغرايبة :

يوضح هذا المسار البصري الرحلة المتوارثة في الذاكرة الشفوية من العلا وبلاد شمر في شبه الجزيرة العربية ، إلى ترقوميا في الخليل ، ثم طمون ، ثم العبور إلى شرق الأردن عبر عجلون الهاشمية ، فجمحا وحوارة ، مع امتداد لاحق إلى المغير .

1
العلا / شمر
الجذور الأولى في شبه الجزيرة العربية .
2
ترقوميا
الاستقرار الأول في جنوب فلسطين .
3
طمون
محطة مفصلية واستمرار الوجود في شمال فلسطين .
4
الهاشمية في عجلون إلى جمحا إلى حوارة إلى المغير في محافظة إربد
العبور إلى شرق الأردن ثم الاستقرار في شمال الأردن وتكون الفروع .

طمون : محطة مفصلية في تاريخ الغرايبة :

بعد مرحلة الاستقرار في جنوب فلسطين ، انتقل قسم من أبناء العشيرة إلى شمال فلسطين ، واستقروا في محيط نابلس ، وتحديداً في بلدة طمون التابعة اليوم لمحافظة طوباس . وقد أصبحت طمون إحدى أهم المحطات التاريخية لعشيرة الغرايبة ، إذ بقي فيها فرع من العشيرة حتى يومنا هذا ، وارتبط اسمها بذكريات ومواقف وطنية وشعبية متجذرة في الوجدان الفلسطيني .

وفي طمون يبرز اسم الثائر احمد حمد محمود الغرايبة ، المعروف بلقب أبو جلدة ، بوصفه من أوائل الثوار الفلسطينيين الذين تصدوا للانتداب البريطاني في فلسطين . ولا تزال مغارة أبو جلدة في طمون شاهدة على تلك المرحلة ، إذ ارتبطت بكونها المكان الذي كان يختبئ فيه من قوات الانتداب البريطاني ، لتبقى جزءاً من الذاكرة الوطنية والعشائرية في آن معاً ، وكذلك ابنه الشهيد مفضي الذي سار على خطى والده في النضال والمقاومة بعد حرب حزيران عام 1967 م والذي استشهد في تشرين الاول عام 1969 م .

العبور إلى شرق الأردن وتعدد مواطن الاستقرار :

مع الزمن ، لم تتوقف حركة الغرايبة عند حدود فلسطين ، بل عبر قسم منهم نهر الأردن باتجاه المرتفعات الشرقية ، فتوزعت محطاتهم في أكثر من موضع . وتشير الروايات إلى أن جزءاً منهم توجه إلى جبل عجلون ، وجزءاً آخر استقر في قرية جمحا الواقعة غرب محافظة إربد ، كما تذكر بعض الروايات ايضا أن للعشيرة حضوراً في المنطقة الجنوبية الشرقية من محافظة مادبا ، في المواضع التي عرفت لاحقاً بالفيحاء ضمن قضاء الفيصلية .

وهكذا أخذت العشيرة تتشكل على امتداد جغرافي واسع ، بين فلسطين وشرق الأردن ، مع بقاء خيط الرواية الشفوية رابطاً بين الفروع المختلفة ، ومؤكداً وحدة الأصل وتنوع مسارات الاستقرار .

من جمحا إلى حوارة : استقرار الثقل الأساسي للعشيرة :

تمثل جمحا محطة مهمة في انتقال العشيرة داخل شمال الأردن ، إذ تذكر الرواية أن الغرايبة بعد استقرارهم فيها لفترة ، والدليل على وجودهم في منطقة جمحا هو وجود مضافة لآل الغرايبة في هذه البلدة والتي بقيت إلى عهد قريب ماثلة للعيان قبل هدمها وبناء مبنى آخر ، انتقلوا إلى بلدة حوارة في شرق محافظة إربد ، وهناك بدأ الثقل الأساسي للعشيرة يتشكل بصورة أوضح . وفي حوارة أخذ الحضور الاجتماعي والسكاني للعشيرة يتجذر ، وأصبحت البلدة واحدة من أبرز مواطن الغرايبة في الأردن .

وقد أسهم هذا الاستقرار في صياغة هوية اجتماعية متماسكة للعشيرة ، قائمة على التساند ، وتمتين روابط القربى ، والإسهام في البناء المحلي ، والانخراط في شؤون المجتمع الاردني على نحو جعل اسم الغرايبة جزءاً أصيلاً من تاريخ المنطقة الحديث .

نشأة فرع المغير : الأرض والحماية وبداية التفرع :

تروي الذاكرة الشفوية أن جد الغرايبة في حوارة اشترى أرضاً في المغير ، وكان لهذا الشراء أثر بالغ في نشوء فرع جديد من العشيرة . إذ أقام اثنان من الإخوة في تلك الأرض لحمايتها ورعايتها ، ومن هنا بدأ تشكل فرع الغرايبة في قرية المغير ، الذي غدا لاحقاً من الفروع المعروفة للعشيرة في شمال الأردن .

وتكشف هذه الرواية عن صلة الغرايبة العميقة بالأرض ، لا بوصفها مورداً للرزق فحسب ، بل بوصفها عنواناً للاستقرار والامتداد العائلي والتجذر الاجتماعي . ومن هذه العلاقة الوثيقة بالأرض ولدت أنماط الاستقرار ، وتمايزت الفروع ، وتوزعت الأسر ، مع بقاء الأصل الجامع حاضراً في الذاكرة والوجدان .

ملامح المسار التاريخي للعشيرة :

المرحلة الأولى :

بدايات في شبه الجزيرة العربية ، في البيئة الممتدة بين الحجاز وبلاد شمر ، مع حضور واضح في الرواية لمنطقة العلا بوصفها موطناً أولياً أو محطة تأسيسية .

المرحلة الثانية :

الهجرة إلى جنوب فلسطين ، والاستقرار الأول في ترقوميا في الخليل ، ثم الانتشار في جهات من جنوب فلسطين .

المرحلة الثالثة :

الانتقال إلى شمال فلسطين ، والاستقرار في طمون ، حيث برز حضور الغرايبة في الحياة الاجتماعية والوطنية .

المرحلة الرابعة :

العبور إلى شرق الأردن ، وتوزعهم بين عجلون الهاشمية وجمحا وحوارة والمغير و قرى شرق مدينة مادبا ، مع نشوء فروع جديدة واستقرار الثقل الأساسي للعشيرة في شمال الأردن .

القيم والموروث الاجتماعي :

لم يكن تاريخ الغرايبة تاريخ انتقال جغرافي فحسب ، بل كان أيضاً تاريخاً من القيم المتوارثة التي صاحبت العشيرة في حلها وترحالها . فقد عرف أبناؤها بالتمسك بالعادات العربية الأصيلة ، وصون روابط القربى ، والقيام بدور فاعل في إصلاح ذات البين ، والانتماء العميق إلى الأرض والمجتمع .

كما أسهم أبناء العشيرة في الحياة العامة في المناطق التي استقروا فيها ، وكانوا جزءاً من البنية الاجتماعية والإدارية والزراعية في شمال الأردن وفلسطين ، الأمر الذي جعل تاريخهم فصلاً لا ينفصل عن السجل الاجتماعي للمكان الذي عاشوا فيه وشاركوا في بنائه .

خاتمة الرواية التاريخية :

إن أصل عشيرة الغرايبة ، كما تحفظه الروايات الشفوية المتوارثة ، هو قصة هجرة عربية ممتدة ، بدأت من شبه الجزيرة العربية في نطاق الحجاز وبلاد شمر والعلا ، ثم اتجهت إلى جنوب فلسطين حيث كان الاستقرار الأول في ترقوميا غرب محافظة الخليل ، قبل أن تنتقل إلى طمون في شمال الضفة الغربية في فلسطين ، ومنها عبر قسم من أبناء العشيرة إلى شرق الأردن ليستقروا في جمحا وحوارة والمغير ، مع امتدادات أخرى في مدينتي عجلون ومادبا ، وبقاء فرع من العشيرة في طمون حتى اليوم .

وهي رواية ، وإن كانت تحتاج في بعض جوانبها إلى مزيد من التوثيق والمقارنة بالمصادر التاريخية ، إلا أنها تظل ذات قيمة كبيرة بوصفها ذاكرة جمعية تحفظ مسار العشيرة ، وتكشف عن وحدة أصلها ، وتعدد مواطنها ، وعمق ارتباطها بالأرض والكرامة والهوية العربية الأصيلة .

كم كانت هذه المعلومات مفيدة؟

اختار نحمة للتقييم

التقييم المتوسط / 5. عدد الأصوات

لا يوجد اصوات, كن أول من يصوت

حيث انك وجدت المقال مفيد

تابعنا على شبكات التواصل الاجتماعي

ناسف لانك لم تجد المقل مفيد

ساعدنا بتطوير المقال

اخبرنا كيف يمكن تطوير المقال

Seraphinite AcceleratorOptimized by Seraphinite Accelerator
Turns on site high speed to be attractive for people and search engines.