صبحي عقلة غرايبة
(1928 – 1990)
المرحوم صبحي عقلة غرايبة
أحد رواد الإدارة الأمنية في الأردن في مرحلة بناء الدولة الحديثة
يُعدّ المرحوم صبحي عقلة غرايبة من الشخصيات الإدارية التي ارتبط اسمها بمراحل مبكرة من تطور المؤسسات الأمنية والإدارية في المملكة الأردنية الهاشمية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ولا سيما في مجال إدارة الجوازات والحدود. وقد عُرف بين معاصريه بالكفاءة والانضباط والقدرة على إدارة العمل الحكومي في ظروف تاريخية معقدة، حين كانت الدولة الأردنية في طور بناء مؤسساتها الحديثة وترسيخ منظومتها الإدارية.
ولد صبحي عقلة غرايبة عام 1928 في بلدة حوارة بمحافظة إربد شمال الأردن، وهي إحدى البلدات التي عُرفت تاريخياً بحضورها الاجتماعي والثقافي، وبروز عدد من أبنائها في مجالات الإدارة والتعليم والخدمة العامة. وفي هذه البيئة الريفية التي امتزجت فيها قيم العشيرة بالوعي الوطني، نشأ وتكوّن وعيه المبكر بالمسؤولية والانتماء.
وقد كان ينتمي إلى عائلة عُرفت بسمعتها الطيبة ومكانتها الاجتماعية في المنطقة، فهو ابن المرحوم عقلة العبد الغرايبة, الأمر الذي أتاح له منذ شبابه المبكر فرصة الاحتكاك برجال الإدارة والوجهاء، وهو ما ساهم في تشكيل شخصيته القيادية التي ستظهر لاحقاً في حياته المهنية.
النشأة والتكوين في مرحلة الدولة الناشئة
نشأ صبحي غرايبة في زمنٍ كانت فيه المملكة الأردنية الهاشمية تمرّ بمرحلة مفصلية من تاريخها؛ فقد كانت الدولة في تلك الفترة تعمل على بناء مؤسساتها المدنية والعسكرية، وتطوير جهازها الإداري لمواكبة التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية.
وفي هذا السياق، اتجه عدد من أبناء القرى الأردنية إلى العمل في الجهاز الحكومي، حيث كانت الوظيفة العامة تُعدّ آنذاك طريقاً للمشاركة في بناء الدولة وخدمة المجتمع.
وقد كان صبحي غرايبة من بين هؤلاء الذين التحقوا مبكراً بالعمل الحكومي، حيث أظهر منذ سنواته الأولى في الوظيفة قدرة على التنظيم والانضباط، وهي صفات جعلته يتدرج في المسؤوليات الإدارية داخل دائرة الجوازات الأردنية التي كانت في ذلك الوقت إحدى المؤسسات الحيوية المرتبطة بإدارة الحدود وتنظيم حركة السفر والهجرة.
مسيرته في إدارة الجوازات
بدأت مسيرة صبحي عقلة غرايبة المهنية في جهاز الجوازات خلال فترة شهدت توسعاً في نشاط الدولة الأردنية وتزايداً في حركة السفر والتنقل داخل البلاد وخارجها. ومع تطور خبرته الإدارية، أسندت إليه عدة مواقع قيادية في هذا الجهاز.
وقد شغل خلال مسيرته عدداً من المناصب المهمة، من أبرزها:
مدير جوازات المفرق – 1955
مدير جوازات الأغوار – 1958
مدير جوازات نابلس – 1960
مدير جوازات إربد – 1968 حتى 1970
وكانت هذه المواقع تمثل نقاطاً استراتيجية في إدارة حركة المواطنين والمسافرين، نظراً لموقعها الجغرافي المرتبط بالحدود والمعابر، الأمر الذي جعل مسؤولياته تتجاوز العمل الإداري التقليدي إلى التعامل مع قضايا أمنية وتنظيمية معقدة.
وقد عُرف عنه في تلك المرحلة حرصه على الانضباط الإداري واحترام القانون، إضافة إلى قدرته على التعامل مع مختلف فئات المجتمع، وهو ما جعله يحظى بثقة المسؤولين وزملائه في الجهاز الحكومي.
مرحلة التقاعد الأول والعمل في التخليص
في عام 1970 أُحيل صبحي غرايبة إلى التقاعد من وظيفته في دائرة الجوازات، بعد سنوات طويلة من الخدمة في عدد من المديريات في شمال الأردن والضفة الغربية.
غير أن تقاعده لم يكن نهاية نشاطه المهني، إذ اتجه بعد ذلك إلى العمل في مجال التخليص الجمركي في منطقة حدود الرمثا، وهي منطقة تجارية نشطة بحكم موقعها الحدودي. واستمر في هذا المجال حتى عام 1973، حيث اكتسب خبرة جديدة في إدارة المعاملات التجارية والحدودية.
العودة إلى الخدمة الحكومية
لم يدم ابتعاده عن العمل الحكومي طويلاً؛ فقد أعيد إلى الخدمة في دائرة الجوازات مرة أخرى، وهو ما يعكس الثقة التي كانت تحظى بها خبرته الإدارية.
وخلال هذه المرحلة عاد إلى العمل في مواقع قيادية، حيث شغل:
مدير جوازات الزرقاء
ثم مدير جوازات عمّان
وكانت هذه المواقع من أهم مواقع الإدارة في جهاز الجوازات، نظراً لكونها تخدم أكبر التجمعات السكانية في البلاد.
ومع استمرار مسيرته المهنية، رُقي إلى موقع المفتش العام لدائرة الجوازات العامة، وهو منصب إداري رفيع يتطلب خبرة واسعة في متابعة أداء المديريات والإشراف على سير العمل الإداري والتنظيمي داخل المؤسسة.
وقد مكّنه هذا الموقع من الإسهام في تطوير آليات العمل داخل الجهاز، ونقل خبرته الطويلة إلى الأجيال الجديدة من الموظفين.
الحياة بعد التقاعد والعمل في قطاع الصرافة
بعد سنوات طويلة من الخدمة في العمل الحكومي، أُحيل صبحي عقلة غرايبة إلى التقاعد مرة أخرى.
وفي مرحلة ما بعد التقاعد اتجه إلى العمل الحر، حيث افتتح محلاً للصرافة في مدينة الزرقاء، وهي مدينة صناعية وتجارية شهدت نمواً كبيراً خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين.
وقد استمر في هذا النشاط حتى عام 1989، حين أغلقت الحكومة بعض محال الصرافة ضمن إجراءات تنظيمية للقطاع المالي.
بعد ذلك فضّل التفرغ لحياته العائلية، فابتعد عن العمل العام وقضى سنواته الأخيرة بين أبنائه وأقاربه.
شخصيته وسماته الإنسانية
عرفه من عاصروه بأنه رجل هادئ الطبع، يميل إلى النظام والدقة في العمل، ويحرص على أداء واجبه الوظيفي بأمانة.
كما عُرف بعلاقاته الطيبة مع الناس، سواء في مواقع عمله أو في مجتمعه المحلي في بلدة حوارة، حيث كان يحظى باحترام واسع بين أبناء البلدة وأبناء عشيرة الغرايبة.
وقد جمع في شخصيته بين الصرامة الإدارية والروح الاجتماعية القريبة من الناس، وهو ما جعل ذكراه تبقى حاضرة في ذاكرة من عرفوه وعملوا معه.
حياته العائلية
كان المرحوم صبحي عقلة غرايبة أباً لأسرة كبيرة، وقد ترك وراءه أبناءً وبناتاً حملوا اسمه واستمروا في مسيرة الحياة والعلم والعمل.
ومن أبنائه:
غسان
عدنان
مروان
نعمان
حسان
محمد
أحمد
كما أن له ابنة هي:
رجاء صبحي عقلة غرايبة، التي أعدّت لاحقاً دراسة أكاديمية بعنوان “تطور الحياة النيابية في الأردن 1967–1997” ضمن رسالة ماجستير في الجامعة الأردنية، وهو ما يعكس استمرار حضور العائلة في المجال الأكاديمي والفكري.
وفاته
في 30 حزيران / يونيو 1990 رحل صبحي عقلة غرايبة بعد حياة امتدت أكثر من ستة عقود، أمضاها في العمل الإداري وخدمة مؤسسات الدولة الأردنية.
وقد شكّل رحيله خسارة لعائلته وأقاربه وكل من عرفه من زملائه في العمل، غير أن سيرته بقيت شاهداً على جيل من الرجال الذين ساهموا في بناء مؤسسات الدولة في سنواتها الأولى.
مكانته في الذاكرة المحلية
يمثل صبحي عقلة غرايبة نموذجاً لجيل من الإداريين الأردنيين الذين عملوا بصمت في مؤسسات الدولة خلال العقود الأولى من تاريخها الحديث.
ورغم أن كثيراً من هؤلاء لم تحظَ سيرهم بالتوثيق الكافي في الكتب الرسمية، فإن أثرهم ظل حاضراً في الذاكرة المحلية وفي تاريخ المؤسسات التي عملوا فيها.
وقد كان صبحي غرايبة واحداً من هؤلاء الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بإدارة الجوازات والحدود في الأردن خلال مرحلة مهمة من تاريخ الدولة، وأسهموا في ترسيخ تقاليد العمل الإداري في المؤسسات الأمنية.
