عبد الله عوض الحامد الغرايبة
(1943 – 17 تشرين الثاني 2018)
المرحوم عبد الله عوض الحامد الغرايبة (غازي العوض) – أبو نجم
في الذاكرة الاجتماعية لبلدة حوّارة في محافظة إربد، يبرز اسم عبدالله عوض الحامد الغرايبة، الذي عرفه أبناء البلدة والأقارب والأصدقاء باسمٍ آخر ظل ملازماً له طوال حياته، هو “غازي العوض”. وقد بقي هذا الاسم متداولاً بين الناس أكثر من اسمه الرسمي، حتى صار علامة شخصية له في المجالس والذكريات الشعبية في البلدة.
كان واحداً من أبناء الجيل الذي نشأ في أربعينيات القرن العشرين في شمال الأردن، جيلٍ عرف البساطة وقوة الشخصية وروح المبادرة، وارتبطت سيرته بحياة العمل والقراءة والسفر والتعليم، وبحضور اجتماعي واضح بين أبناء بلدته.
النشأة والميلاد
ولد عبدالله عوض الحامد الغرايبة في بلدة حوّارة بمحافظة إربد عام 1943.
لم يكن تاريخ ميلاده الدقيق معروفاً في البداية، وهو أمر كان شائعاً في تلك المرحلة بسبب ما يعرف في الريف الأردني بـ “التسنين”، أي تسجيل المواليد لاحقاً في السجلات الرسمية.
كان يروي بنفسه أن ميلاده كان في شهر تشرين الأول (أكتوبر) من ذلك العام، غير أن تسجيله الرسمي في القيود جاء بتاريخ 1 يناير 1943.
أما قصة اسمه فكانت متداولة بين الأقارب وأبناء البلدة؛ فقد سُمّي في الأصل “غازي”، غير أن مختار البلدة سجله باسم “عبدالله” تيمناً بزيارة الملك عبدالله الأول بن الحسين لبلدة حوارة في تلك الفترة.
ومع ذلك بقي الأقارب والأصدقاء ينادونه باسمه الأول غازي، حتى أصبح يعرف في المجتمع المحلي باسم غازي العوض.
الطفولة والبيئة الاجتماعية
نشأ في بيئة ريفية تقليدية كانت تعتمد على العمل الجاد والتعاون بين أبناء البلدة.
كانت حوّارة في تلك الفترة بلدة صغيرة مترابطة، يلتقي أهلها في الساحات والمضافات والمساجد، وتنتقل الأخبار فيها بسرعة بين الناس.
عرف منذ صغره بروح المبادرة وقوة الشخصية، وكان محباً للمجالس الاجتماعية، شديد الحضور بين أبناء جيله.
التعليم وقصة التوجيهي
لم يتمكن في بداية حياته من إكمال تعليمه بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي كانت تعيشها كثير من العائلات في تلك المرحلة.
لكن تشجيع الأقارب والأصدقاء أعاد إليه الرغبة في متابعة الدراسة، فقرر التقدم لامتحان الثانوية العامة (التوجيهي).
وقد بقيت في ذاكرة العائلة قصة طريفة مرتبطة بنجاحه في التوجيهي؛
إذ وعده الحاج أبو يحيى الغرايبة – رحمه الله – أنه إن نجح فسوف يجعل أهل حوّارة جميعاً يسمعون الخبر.
درس لفترة قصيرة لا تكاد تتجاوز شهراً تقريباً، ثم تقدم للامتحان ونجح فيه.
وعندما وصل الخبر إلى الحاج أبو يحيى خرج من منزله وأخذ يطلق الأعيرة النارية في الهواء تعبيراً عن الفرح حتى وصل إلى منزل والده عوض الحامد الغرايبة معلناً نجاحه.
العمل في مجال المقاولات وبناء جامعة اليرموك
في مرحلة شبابه عمل في شركة عبر البلاد العربية للمقاولات، حيث شغل وظيفة مراقب أبنية.
وخلال هذه الفترة شارك في الإشراف على بناء عدد كبير من مباني جامعة اليرموك في مدينة إربد عند تأسيسها في سبعينيات القرن العشرين.
كان معروفاً بدقته في العمل وإخلاصه فيه، وكان يروي بنفسه كيف كان يحرص على جمع المسامير التي تسقط من جيوب العمال (الطوبرجية) حتى لا تضيع أو تهدر، في صورة تعكس اهتمامه بالتفاصيل وحرصه على العمل.
الدراسة في العراق
سافر لاحقاً إلى العراق لإكمال دراسته الجامعية، فالتحق بـ جامعة بغداد حيث درس علم الآثار، وحصل على درجة البكالوريوس في هذا التخصص.
أحب بغداد كثيراً، وكان يتحدث عنها دائماً بإعجاب، كما كان يكن احتراماً كبيراً للعراق وشعبه.
وبقيت تلك المرحلة من حياته من أكثر الفترات التي كان يستعيد ذكرياتها في مجالسه.
الحياة العملية بعد العودة إلى الأردن
بعد عودته إلى الأردن عمل في عدة وظائف، من بينها:
العمل في جمرك العمري على الحدود الأردنية.
العمل لاحقاً في مجال التعليم والتدريس.
وكان معروفاً بذاكرته القوية وقدرته على حفظ تواريخ الأحداث والأخبار، حتى أصبح مرجعاً لمن حوله في تذكر وقائع الماضي.
تعرض خلال مسيرته الوظيفية للتوقيف عن العمل أكثر من مرة، لكنه ظل محتفظاً بروحه الساخرة وحضوره الاجتماعي القوي.
شخصيته بين الجد والمرح
جمع في شخصيته بين الجدية وخفة الظل في آنٍ واحد.
كان سريع الغضب أحياناً، لكنه في الوقت نفسه كان ضحوكاً، محباً للمزاح، ويستعيد ذكريات شبابه مع أصدقائه وأقاربه.
كان يروي كثيراً عن أيام شبابه عندما كان يصف نفسه بأنه كان “هويشا من الدرجة الأولى”، أي صاحب شخصية قوية لا يتردد في مواجهة الآخرين.
ومن الطرائف التي كان يرويها أنه كان بصحبة أخيه أحمد “أبو عوض” في سيارة الأخير في مدينة إربد، فقام أحد السائقين بشتمهما أثناء القيادة.
فأوقفا السيارة فوراً، ونشبت بينهما مشاجرة انتهت بأن قال له:
“أنا غازي العوض وأخوي أحمد من حوّارة… جيب قرايبك وتعال إذا إنك زلمة.”
وكان كثير من أبناء جيله يطلقون عليه لقب “دحّام”.
التدين والعبادة في سنواته الأخيرة
مع تقدمه في العمر أصبح أكثر ميلاً إلى العبادة والهدوء.
كان محباً للمساجد كثير الصلاة فيها، وقد أدى:
العمرة أكثر من مرة
الحج مرة واحدة
وبعد تقاعده كان يداوم على الذهاب يومياً تقريباً إلى مدينة إربد، حيث يصلي في المسجد الكبير ثم يجلس مع أحد الأصدقاء أو الأقارب قبل أن يعود إلى منزله.
وكان محباً للمشي، حتى في سنواته الأخيرة.
اهتمامه بالقراءة
كان شغوفاً بالقراءة ومتابعة الصحف اليومية.
امتلك مكتبة منزلية كبيرة تضم كتباً متنوعة في:
الأدب
التاريخ
الثقافة العامة
وكان يقضي ساعات طويلة في المطالعة، الأمر الذي انعكس على ثقافته الواسعة وذاكرته القوية.
المرض والسنوات الأخيرة
بعد وفاة زوجته فوزية أصيب بعدة أمراض، من بينها:
السكري
ارتفاع ضغط الدم
عدة جلطات قلبية
ورغم ذلك استمر في ممارسة حياته اليومية، محافظاً على عاداته في زيارة الأصدقاء والصلاة في المساجد.
وقبل وفاته بعام أصيب بالفشل الكلوي، مما ألزمه الفراش لفترات طويلة، ولم يكن يخرج إلا:
لجلسات الغسيل الكلوي
لحضور عزاء
أو لزيارة أخته عليا (أم سلمان) التي كان شديد المحبة لها ولعائلتها، وخاصة زوجها حمزة غرايبة.
وكان يرافقه في تلك المرحلة أحد أبنائه الذي كان يصاحبه إلى المستشفى والمجالس العائلية.
وفاته
توفي عبدالله عوض الحامد الغرايبة (غازي العوض) في 17 نوفمبر 2018 في المستشفى بعد صراع مع المرض.
وبرحيله طوى واحد من أبناء جيلٍ عرفته حوّارة بصلابة الشخصية ووضوح الموقف.
وقد وصفه من عرفه بأنه كان:
صريحاً
قوياً في مواقفه
محباً للناس
حاضر الذهن سريع الحفظ
رحل بعد حياة حافلة بالتجارب والعمل والذكريات، كما يقال في التعبير الشعبي:
“آن لهذا الفارس أن يترجل عن فرسه ويستريح.”
أبناؤه
ترك رحمه الله أربعة من الأبناء:
نجم الدين
سعد الدين
محمد
فاتن
خاتمة
يبقى غازي العوض واحداً من الشخصيات التي تركت حضورها في ذاكرة أبناء حوّارة، ليس من خلال منصب أو شهرة، بل من خلال الطبع الصريح والحضور الاجتماعي والقصص التي بقيت تتردد في المجالس.
رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ذكراه الطيبة باقية بين أهله وأبنائه وكل من عرفه.
