قويدر خليل غرايبة
(1898 – 1990)
المرحوم الحاج قويدر خليل غرايبة (أبو فلاح)
سيرة رجل من رجالات المغير وعشيرة الغرايبة
كان المرحوم الحاج قويدر خليل غرايبة (أبو فلاح) من رجالات عشيرة الغرايبة الذين عُرفوا بالخلق الرفيع وحسن السيرة بين الناس. وُلد عام 1898م في بلدة المغير بمحافظة إربد، في زمن كانت فيه القرى الأردنية تعيش حياة بسيطة تعتمد على الزراعة والتعاون بين أهلها، فعاش حياته متجذرًا في أرضه وبين أبناء مجتمعه، محافظًا على القيم الأصيلة التي تربى عليها.
عاش الحاج قويدر ما يقارب اثنين وتسعين عامًا، شهد خلالها تحولات كبيرة مرّت بها المنطقة منذ أواخر العهد العثماني، مرورًا بسنوات تأسيس إمارة شرق الأردن، ثم قيام المملكة الأردنية الهاشمية. ومع كل تلك التحولات ظل قريبًا من الناس، بسيطًا في حياته، حاضرًا في مناسباتهم وأفراحهم وأتراحهم.
رجل من معدن أهل المغير
كان من يعرف الحاج قويدر يراه رجلًا هادئ الطباع، قليل الكلام، لكنه صاحب موقف واضح حين يتطلب الأمر ذلك. لم يكن من الذين يبحثون عن الظهور، بل كان يؤمن أن قيمة الإنسان فيما يقدمه لأهله ومجتمعه.
كان مجلسه مفتوحًا للناس، يستقبل الضيوف ويكرمهم، ويشارك أبناء بلدته همومهم وقضاياهم. وكان يحظى باحترام كبير بين أبناء المغير وأبناء عشيرة الغرايبة، لما عُرف عنه من صدق وكرم وأصالة.
مبادرته لبناء مدرسة المغير
في خمسينيات القرن الماضي قام الحاج قويدر بمبادرة بقيت محفورة في ذاكرة أهل البلدة. فقد تبرع بقطعة أرض مساحتها تقارب عشرين دونمًا من أرضه الخاصة، إضافة إلى محاذاة منزله وديوانه العامر، لبناء مدرسة للذكور في البلدة.
كان التعليم في تلك السنوات ما يزال محدودًا في القرى، وكان الأهالي يدركون أهمية المدرسة لأبنائهم ومستقبلهم. وقد وجد أهل البلدة في مبادرة الحاج قويدر دعوة صادقة للعمل، فهبّوا جميعًا للمشاركة في بناء المدرسة.
عمل الرجال والشباب على إحضار رمل السيل من منطقة الشلالة لاستخدامه في البناء، بينما قامت نساء عشيرة الغرايبة بجلب الماء وحمله على رؤوسهن من حاووز البلدة لدعم العمل. كانت تلك الأيام مثالًا حيًا على روح التعاون التي جمعت أبناء القرية حول هدف واحد هو تعليم أبنائهم.
ديوان مفتوح للعلم وأهله
لم يكن ديوان الحاج قويدر مجرد مكان للضيافة، بل كان بيتًا مفتوحًا لكل من قصده. وكان أساتذة المدرسة الذين قدموا للتدريس في البلدة يقيمون خارجها، فكانوا يجدون في ديوانه مكانًا للنوم والطعام والراحة، وكان يكرمهم ويستضيفهم دون مقابل، تقديرًا للعلم وأهله.
وقد كان يرى في المعلم صاحب رسالة، وكان يحرص على توفير كل ما يستطيع ليبقى التعليم قائمًا في البلدة.
حياته الأسرية
كان الحاج قويدر أبًا لأسرة عُرفت بالخلق الطيب والسمعة الحسنة، ومن أبنائه البطل الشهيد فلاح قويدر الغرايبة الذي ارتبط اسمه بالشجاعة والتضحية في سبيل الوطن.
وقد بقيت هذه الأسرة مثالًا للعائلة التي جمعت بين خدمة المجتمع والوفاء للأرض والوطن.
في ذاكرة من عرفه
ظل الحاج قويدر طوال حياته رجلًا قريبًا من الناس، يعيش بينهم ويشاركهم تفاصيل حياتهم اليومية. وكان من عرفه يذكره بالوقار والبساطة وصدق المعاملة.
لم يكن يسعى إلى شهرة أو منصب، لكنه ترك أثرًا حقيقيًا في حياة أهل بلدته، وخاصة في دعمه للتعليم وخدمة المجتمع.
رحيله
انتقل الحاج قويدر خليل غرايبة إلى رحمة الله تعالى عام 1990م بعد عمر طويل قضاه بين أهله وناسه. وبرحيله فقدت المغير واحدًا من رجالها الذين تركوا أثرًا طيبًا في نفوس من عرفوهم.
ورغم مرور السنوات، ما زال اسمه يُذكر بكل تقدير، ويستحضره أهل البلدة كلما ذُكرت قصة المدرسة الأولى في المغير، وكلما استعادوا سيرة الرجال الذين وضعوا مصلحة مجتمعهم فوق كل اعتبار.
رحم الله الحاج قويدر خليل غرايبة (أبو فلاح)،
وجعل ما قدمه في خدمة أهله وبلدته في ميزان حسناته،
وأبقى ذكره الطيب حاضرًا في ذاكرة الأجيال.
