مفلح الحسن الغرايبة

المرحوم النائب مفلح الحسن الغرايبة​

(1901–1983)

المرحوم مفلح الحسن الغرايبة

في سجلّ رجالات الأردن الذين صنعوا أثرهم بالفعل قبل القول، يبرز اسم مفلح الحسن الغرايبة بوصفه واحدًا من أعمدة النهضة التجارية والوطنية في شمال المملكة، ورجلًا جمع بين الحكمة العملية، والنزاهة الأخلاقية، والحضور العام الممتد لعقود طويلة في ميادين الاقتصاد والعمل النيابي والاجتماعي.

وُلد مفلح الحسن الغرايبة عام 1901م في قرية المغير شمال شرق إربد، في زمن كانت المنطقة فيه تقف على أعتاب تحولات كبرى مع بدايات القرن العشرين. نشأ في بيئة ريفية متماسكة شكّلت وعيه المبكر، فالتحق بكتّاب القرية، ثم انتقل إلى مدينة إربد ليتابع تعليمه في “المكتب الابتدائي”. وبسبب طبيعة الحياة وظروف المرحلة، لم يُتح له إكمال دراسته النظامية، فاتجه منذ سن مبكرة إلى التجارة، المجال الذي سيصبح لاحقًا عنوانًا لمسيرته ودوره العام.

دخل مفلح الغرايبة عالم التجارة بوسائل متواضعة، لكنه سرعان ما أثبت حضوره بفضل صدقه، وحسن معاملته، وقدرته على بناء الثقة. ومع اتساع نشاطه، بات من أبرز تجار إربد، ومن الأسماء المؤثرة في الحركة التجارية في شمال الأردن. هذا الحضور لم يكن فرديًا أو معزولًا، بل ارتبط منذ وقت مبكر بقناعة راسخة لديه بأهمية تنظيم العمل التجاري ومأسسته، بوصف ذلك شرطًا أساسيًا للتنمية والاستقرار.

في شباط من عام 1950م، كان مفلح الغرايبة من المؤسسين الروّاد لغرفة تجارة إربد. وفي أول مجلس إدارة، تولى منصب نائب الرئيس إلى جانب الحاج نايف أبو عبيد، قبل أن يُنتخب عام 1954م رئيسًا لمجلس إدارة الغرفة، وهو المنصب الذي شغله تسعةً وعشرين عامًا متواصلة حتى 30 حزيران 1983، في سابقة تعكس حجم الثقة التي حظي بها بين التجار، حيث انتُخب في معظم الدورات بالتزكية.

خلال رئاسته الطويلة، تحولت غرفة تجارة إربد إلى مؤسسة فاعلة في تنظيم التجارة الداخلية والخارجية، وفي التنسيق مع الجهات الرسمية المختصة. عمل مفلح الغرايبة على تذليل العقبات أمام التجار، وتطوير آليات الاستيراد والتصدير، والمطالبة العادلة بتوسيع حصص تجار الشمال في زمن كان نظام “الكوتا” يقيد النشاط التجاري خارج العاصمة. وبفضل الجهود المتراكمة، رُفع عدد رخص الاستيراد لتجار إربد إلى 110 رخصة، ثم أُلغي نظام الحصص لاحقًا، وفُتح باب الاستيراد أمام الجميع.

وكان له دور محوري في توحيد المقاييس والموازين والمكاييل على الأسس المترية عام 1959، وفي السماح بتخليص بضائع تجار الشمال في جمرك الرمثا بدلًا من جمرك عمان، ما أسهم في تخفيف الأعباء المالية والإدارية على التجار. كما سعت الغرفة في عهده إلى إلغاء الرسوم التي كانت تُفرض على المحاصيل الزراعية والحبوب المارة عبر البلديات، دعمًا للمزارعين والتجار معًا.

اقتصاديًا، أدرك مفلح الغرايبة أهمية الزراعة بوصفها العمود الفقري لاقتصاد شمال الأردن، فدافع عن سياسات أكثر دقة في تقدير المحاصيل، وطالب بتبني أساليب حديثة لبناء قرارات تصدير قائمة على بيانات واقعية. كما دعم فكرة إنشاء مناطق حرة في الشمال، وهي المطالب التي تحققت لاحقًا بإنشاء مناطق حرة في العقبة والزرقاء، لتصبح رافدًا أساسيًا للاقتصاد الوطني.

على صعيد البنية المؤسسية، شهدت غرفة تجارة إربد في عهده إنجازات ملموسة، من بينها شراء قطعة أرض وبناء مقر الغرفة الأول عام 1962م، ثم توسعته لاحقًا، إضافة إلى التنازل عن قطعة أرض في شارع الهاشمي لصالح وزارة الأوقاف لإقامة مسجد الهاشمي، في خطوة جسدت البعد الاجتماعي والوطني لعمل الغرفة. كما وضِعت الأسس التي قادت لاحقًا إلى بناء المقر الحالي للغرفة على شارع الحصن.

سياسيًا، كان مفلح الغرايبة ناشطًا في الحركة الوطنية الأردنية منذ شبابه، وشارك في اللجان الشعبية الداعمة لمقاومة الاحتلالين البريطاني والفرنسي، ولبّى نداء الجهاد في فلسطين خلال ثورة عام 1936، ثم في حرب 1947–1948. كما كان من الداعمين البارزين للعمل الخيري والاجتماعي في أربعينيات وخمسينيات وستينيات القرن الماضي.

في عام 1961م، خاض الانتخابات النيابية وفاز بمقعد إربد في المجلس النيابي السادس، وشارك في اللجنة الإدارية خلال الدورة العادية الأولى. تحت قبة البرلمان، مثّل صوت التجار وقضايا الشمال، مدافعًا عن مصالحهم، ومتابعًا للتشريعات والسياسات الاقتصادية. كما كان من أبرز المطالبين بإنشاء جامعة رسمية في شمال المملكة، وهو الحلم الذي تحقق لاحقًا بتأسيس جامعة اليرموك في منتصف السبعينيات.

لم تقتصر مبادراته على العمل المؤسسي والسياسي، بل امتدت إلى المجال الثقافي والاجتماعي؛ فأنشأ أول سينما صيفية مكشوفة في إربد تحت اسم “سينما البترا”، وافتتح وكالة لماكينات الخياطة التي نافست أشهر العلامات آنذاك، وساهم في محاولة إنشاء مصنع لمحركات الديزل، في تجربة تعكس روحه الريادية وإن لم يُكتب لها الاستمرار.

على المستوى الأسري، أولى مفلح الغرايبة عناية خاصة بتربية أبنائه، فكانوا امتدادًا لقيمه في العلم والخدمة العامة. من أبنائه علي الغرايبة، مدير عام الموازنة الأسبق ومدير عام دائرة الأراضي والمساحة، وزيد الغرايبة مدير مكتب وكالة الأنباء الأردنية (بترا) في إربد، ومن بناته كوكب وفاطمة، وهما من رائدات العمل التربوي، إضافة إلى أحفاد واصلوا الحضور في ميادين الخدمة الوطنية.

في عام 1983م، انتقل مفلح الحسن الغرايبة إلى رحمة الله، بعد حياة حافلة بالعطاء والعمل العام. غير أن رحيله لم يكن نهاية لحضوره، إذ بقي أثره حيًا في ذاكرة إربد، وفي مؤسساتها، وفي كل تجربة تجارية منظمة شهدها شمال الأردن. لقد كان واحدًا من أولئك الرجال الذين أدركوا أن التجارة ليست مجرد تبادل للسلع، بل رسالة أخلاقية، وجسر تواصل حضاري، وأداة لبناء الأوطان.

وهكذا، يظل مفلح الحسن الغرايبة اسمًا محفورًا في الذاكرة الوطنية، ورمزًا لجيلٍ آمن بالعمل المشترك، وقدّم المصلحة العامة على الخاصة، وترك للأردن إرثًا من النزاهة والإنجاز والذكر الطيب.

كم كانت هذه المعلومات مفيدة؟

اختار نحمة للتقييم

التقييم المتوسط / 5. عدد الأصوات

لا يوجد اصوات, كن أول من يصوت

حيث انك وجدت المقال مفيد

تابعنا على شبكات التواصل الاجتماعي

ناسف لانك لم تجد المقل مفيد

ساعدنا بتطوير المقال

اخبرنا كيف يمكن تطوير المقال