وحيد خلف الغرايبة
وحيد خلف الغرايبة (ابو سفيان)
(1930 – 1961)
في أرشيف الذاكرة الوطنية، تبرز أسماء لا تُقاس بطول أعمار أصحابها، بل بعمق أثرهم. وحيد خلف غرايبة واحد من هؤلاء؛ رجلٌ كان لاسمه نصيبٌ من فرادته، فشكّل بحياته القصيرة مثالًا دالًا على معنى الجناس في لغتنا: تشابه اللفظ واختلاف المعنى، حيث اجتمع في “الوحيد” فردٌ، وفي فكره أمة.
لم تكن الأمة العربية عند وحيد شعارًا عابرًا، بل معشوقةً فكرية لم يتخلَّ عنها إلا بموته. مظهره الأنيق اللافت، ووجهه البشوش، وكرمه ودماثته؛ كلها سمات غدت علامةً مسجلة باسمه في ذاكرة من عرفه أو سمع به.
ينتمي وحيد خلف غرايبة إلى أسرةٍ عُرفت بحضورها الاجتماعي؛ وهو الأخ غير الشقيق لأبي تركي رحمه الله، إذ كانت والدتهما المرحومة أذهيبة الفارس زوجة حميد النايل قبل أن تكون زوجة خلف النايل، والد وحيد.
وُلد عام 1930، وتلقى تعليمه الثانوي في لبنان حيث تأثر بفكر حركة القوميين العرب. ثم انتقل إلى بغداد لدراسة التجارة، وتخرج منها متأثرًا بفكر منيف الرزاز. ومنذ تلك المرحلة، أخذت ملامح دوره السياسي والفكري تتشكل، وإن ظل كثيرٌ منها يكتنفه الغموض.
تعددت الروايات حول موقعه في مسار العمل القومي؛ فقيل إنه من مؤسسي حزب البعث العربي الاشتراكي، وقيل من أوائل المنتسبين إليه، بل ومن منظريه. وما كان يُتداول على ألسنة أبناء الجيل—ومنهم والد كاتب هذه السطور—أن وحيدًا كان أول قومي من الغرايبة، وهي شهادة تُعضدها المعطيات المتاحة.
تسلم منصب مدير مطار قلنديا سنة 1958م وبعد عودته إلى الأردن، عمل في دائرة الجمارك في الأردن وفلسطين (رام الله)، ثم تدرج في المسؤوليات حتى شغل منصب مدير ميناء العقبة، وهو المنصب الأخير في مسيرته الوظيفية.
في عام 1957 تزوج من السيدة كوكب مفلح الحسن، وأنجب منها ابنه الوحيد المهندس سفيان عام 1960. غير أن المرض كان أسرع من الأحلام؛ إذ أُصيب بمرضٍ عضال (سرطان الدم)، ونُقل إلى لندن لتلقي العلاج في ظل محدودية الإمكانات آنذاك. لكن القدر كان أسبق، ففاضت روحه إلى بارئها بتاريخ 27/12/1961 عن عمرٍ لم يتجاوز 31 عامًا، ولم يكن ابنه سفيان قد أكمل عامه الثاني.
ومن دلالات حضوره، أن هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) كانت قد بثّت نبأ وفاته، بينما وصل جثمانه إلى عمّان بتاريخ 30/12/1961، ليُوارى الثرى في مسقط رأسه حوّارة.
نرثي وحيدًا، ونرثي معه أمةً غفت طويلًا فتداعى عليها زناة التاريخ من كل حدبٍ وصوب. غير أن هذه الأمة—حتى وهي نائمة—لا تنحني؛ فالقامة لا تنحني في النوم بل تستقيم.

ملاحظة أرشيفية: ما زالت شمسنا “الوحيدة” تشرق على قبر وحيد وتغيب إلى يومنا هذا. أما الطيور المهاجرة التي لا تعترف بالحدود، فلها صلة دائمة بقبره؛ لأن صاحب هذا القبر لم يعترف بحدود وطنٍ صغير، بل كانت الوحدة والحرية وطنه الكبير.
