مصدق مصطفى محمود الغرايبة
(1954 – 2002)
المرحوم مصدق مصطفى محمود الغرايبة
سيرة رجلٍ عاش للعمل بصمتٍ وترك أثراً طيباً
كان مصدق مصطفى محمود الغرايبة من أولئك الرجال الذين لا يكثرون الكلام عن أنفسهم، لكن حياتهم العملية وسيرتهم بين الناس تتحدث عنهم بصدق. عرفه من عاشره إنساناً هادئ الطبع، منضبطاً في عمله، يميل إلى الجدية والالتزام، ويؤمن بأن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه من عملٍ نافعٍ وما يتركه من ذكرٍ طيب بين الناس.
وُلد مصدق مصطفى محمود الغرايبة في الأول من كانون الثاني سنة 1954، في بيئة أردنية أصيلة عرفت قيمة العلم والعمل. نشأ في شمال الأردن، حيث كانت مدينة إربد آنذاك مركزاً تعليمياً مهماً يقصده أبناء المنطقة طلباً للعلم. وفي مدارسها تلقى تعليمه، حتى أنهى دراسته الثانوية في ثانوية إربد، وهي من المدارس العريقة التي تخرّج منها عدد كبير من أبناء الأردن الذين تابعوا طريقهم نحو الدراسة الجامعية وخدمة مؤسسات الدولة.
ومنذ سنوات شبابه المبكرة كان واضحاً أنه يميل إلى العلوم التطبيقية والتخصصات الهندسية. لذلك اختار أن يتابع دراسته الجامعية في الخارج، فسافر إلى رومانيا لدراسة الهندسة الميكانيكية – القسم البحري، وهو تخصص دقيق لم يكن شائعاً بين الطلبة الأردنيين في ذلك الوقت. وقد كان اختياره لهذا المجال يعكس اهتمامه بالأعمال التقنية المرتبطة بالملاحة والموانئ والآليات البحرية.
قضى سنوات دراسته في رومانيا مثابراً ومجتهداً، حتى أنهى دراسته الجامعية وتخرج سنة 1980 مهندساً ميكانيكياً في المجال البحري. وكانت تلك المرحلة محطة مهمة في حياته، إذ عاد بعدها إلى الأردن حاملاً علماً تخصصياً نادراً نسبياً في ذلك الزمن.
وبعد عودته إلى الوطن، التحق بالعمل في مؤسسة الموانئ في مدينة العقبة، الميناء البحري الوحيد للأردن، والذي يمثل شرياناً اقتصادياً مهماً للدولة. وهناك بدأت مسيرته المهنية الحقيقية، حيث عرفه زملاؤه موظفاً دقيقاً في عمله، شديد الحرص على أداء واجباته بأمانة.
عمل في المؤسسة في مواقع مختلفة، حتى تولّى رئاسة قسم التفتيش، وهو موقع إداري يتطلب خبرة فنية ومعرفة دقيقة بأنظمة العمل وإجراءاته. وكان التفتيش في بيئة الموانئ مسؤولية كبيرة، لأن الميناء مكان حساس تتقاطع فيه الأعمال البحرية والتجارية والإدارية. وكان من الضروري أن يتولى هذه المهمة شخص يتمتع بالدقة والانضباط، وهي الصفات التي عُرف بها.
وبعد تلك المرحلة، تولّى أيضاً رئاسة قسم المتابعة في المؤسسة، وهو موقع إداري يعتمد على المراقبة المستمرة لسير العمل والتأكد من تنفيذ الإجراءات والقرارات بالشكل الصحيح. وكان في هذا الموقع مثالاً للموظف المسؤول الذي يتابع التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، ويحرص على أن تبقى الأمور تسير وفق النظام.
لم يكن من أولئك الذين يسعون إلى الظهور أو الشهرة، بل كان يرى أن العمل الصادق يكفي ليكون شهادة للإنسان. ولذلك بقي اسمه معروفاً بين زملائه ومن عملوا معه بصفته رجلاً جاداً يعتمد عليه في المسؤوليات المهنية.
وفي حياته الاجتماعية، تزوج سنة 1987، وبدأ مرحلة جديدة من حياته الأسرية، حيث عرفه أهله وأقاربه إنساناً محباً لعائلته، قريباً من الناس، يحافظ على علاقاته الاجتماعية ويحرص على صلة الرحم. وكان هادئاً في طبعه، قليل الكلام، لكنه صادق في مشاعره ومواقفه.
وكان من يعرفه يدرك أن شخصيته تجمع بين الصرامة المهنية والطيبة الإنسانية. ففي العمل كان دقيقاً ومنظماً، أما في حياته الخاصة فكان بسيطاً وقريباً من الناس، يحترم الآخرين ويعاملهم بصدق.
استمرت حياته المهنية والإنسانية بهذه الروح حتى جاء يوم 28 آذار سنة 2002، حين انتقل إلى رحمة الله بعد حياةٍ لم تكن طويلة في سنواتها، لكنها كانت مليئة بالعمل والالتزام.
وقد ترك رحيله أثراً حزيناً في نفوس من عرفوه، لأنهم فقدوا إنساناً عرفوه صادقاً في عمله وعلاقاته. ومع أن السنوات تمضي، إلا أن ذكره بقي حاضراً بين أهله وأصدقائه وزملائه، يتذكرونه كرجلٍ عاش حياته بهدوء، وأدى واجبه بإخلاص.
وهكذا تبقى سيرة مصدق مصطفى محمود الغرايبة مثالاً بسيطاً وصادقاً لجيلٍ من أبناء الأردن الذين درسوا واجتهدوا ثم عادوا ليخدموا مؤسسات وطنهم بصمت وإخلاص، دون أن يسعوا إلى الأضواء أو المظاهر. رجالٌ عاشوا حياتهم مؤمنين بأن العمل الشريف هو أفضل ما يتركه الإنسان خلفه.
رحم الله مصدق مصطفى محمود الغرايبة رحمةً واسعة، وجعل ذكراه الطيبة باقية في قلوب أهله ومن عرفه.
