محمود عبد الله سلميان عبدالجواد الغرايبة
(1935 – 2008)
المرحوم الحاج محمود عبد الله سلميان عبدالجواد الغرايبه
من رجال الجيش العربي الأردني في زمن التحولات الكبرى
ينتمي المرحوم الحاج محمود عبد الله سليمان عبد الجواد الغرايبة إلى جيل من الرجال الذين عاشوا مرحلة مفصلية من تاريخ الأردن والمنطقة العربية، وهي مرحلة شهدت حروبًا وتغيرات سياسية عميقة. وقد كان واحدًا من أبناء ذلك الجيل الذين حملوا مسؤولية الدفاع عن الوطن ضمن صفوف القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، فخدم سنوات طويلة امتدت لما يقارب ستة وعشرين عامًا في ميادين مختلفة من الخدمة العسكرية.
ومن عرفه عن قرب كان يدرك أنه لم يكن مجرد جندي يؤدي واجبه العسكري، بل كان رجلًا يحمل قيمًا أصيلة: الانضباط، والوفاء للوطن، واحترام الناس، إلى جانب ما عُرف عنه من طيبة القلب وكرم الضيافة. وقد بقيت هذه الصفات حاضرة في ذاكرة من عاشوا معه أو عرفوه في حياته العسكرية أو الاجتماعية.
كما عُرف في محيطه العائلي بأنه عمّ ظاهر باشا الغرايبة الأصغر، وهي صلة قرابة بقيت حاضرة في الذاكرة العائلية وتشير إلى امتداد العلاقات بين فروع عائلة الغرايبة عبر الأجيال.
النشأة والبيئة الاجتماعية
نشأ الحاج محمود الغرايبة في شمال الأردن ضمن مجتمع ريفي محافظ يقوم على قيم التضامن العائلي واحترام التقاليد. وكانت تلك البيئة، كما هو الحال في كثير من القرى الأردنية في منتصف القرن العشرين، تشجع أبناءها على الانخراط في مؤسسات الدولة الحديثة التي بدأت تتشكل بعد استقلال المملكة الأردنية الهاشمية عام 1946.
وفي تلك المرحلة كان الجيش العربي الأردني يمثل إحدى أهم المؤسسات الوطنية التي التحق بها أبناء القرى والبلدات الأردنية، حيث أصبح الانضمام إليه طريقًا لخدمة الوطن واكتساب الخبرة والانضباط.
الانضمام إلى الجيش العربي الأردني
التحق الحاج محمود الغرايبة بالقوات المسلحة الأردنية في مرحلة كانت فيها المؤسسة العسكرية الأردنية تمر بمرحلة إعادة تنظيم وتطوير بعد استقلال الأردن. وقد عرف الجيش العربي منذ تأسيسه بانضباطه العالي وبالدور الكبير الذي لعبه في الدفاع عن البلاد.
وخلال السنوات التي خدم فيها، كان الجيش العربي يشهد تطورًا تدريجيًا في بنيته وتنظيمه، خاصة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، حين أصبح واحدًا من أهم الجيوش في المنطقة من حيث التدريب والانضباط العسكري.
وقد امتدت خدمته العسكرية نحو 26 عامًا، وهي فترة شهدت العديد من الأحداث العسكرية التي كان لها تأثير كبير على تاريخ الأردن والمنطقة.
الخدمة العسكرية في فلسطين
من أبرز مراحل خدمة الحاج محمود الغرايبة العسكرية خدمته في الضفة الغربية من فلسطين عندما كانت تحت الإدارة الأردنية بين عامي 1950 و1967.
وقد كان يقيم في مدينة نابلس ضمن مواقع تمركز القوات المسلحة الأردنية في تلك المنطقة. وكانت نابلس آنذاك من المدن الرئيسية التي تواجد فيها الجيش الأردني ضمن منظومة الدفاع عن الضفة الغربية.
وقد شهدت تلك المرحلة توترات سياسية وعسكرية مستمرة على خطوط التماس مع إسرائيل، وكان الجنود الأردنيون يعيشون حالة استعداد دائم لحماية الحدود والدفاع عن الأراضي التي كانت تحت السيادة الأردنية.
حرب حزيران 1967
كان الحاج محمود الغرايبة ضمن القوات الأردنية التي شهدت أحداث حرب حزيران عام 1967، وهي الحرب التي اندلعت بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، وانتهت بسيطرة إسرائيل على الضفة الغربية والقدس الشرقية وسيناء والجولان.
وقد شكلت هذه الحرب لحظة صعبة في تاريخ المنطقة، حيث اضطرت القوات الأردنية إلى الانسحاب من الضفة الغربية بعد معارك شرسة خاضتها ضد القوات الإسرائيلية.
وكان خروج الجيش الأردني من مدن الضفة الغربية، ومنها نابلس، من الأحداث التي بقيت محفورة في ذاكرة الجنود الذين عاشوا تلك المرحلة.
معركة الكرامة 1968
بعد عام واحد فقط من حرب 1967، شهد الأردن واحدة من أبرز المعارك في تاريخه العسكري، وهي معركة الكرامة في 21 آذار 1968.
وقد خاض الجيش العربي الأردني هذه المعركة ضد القوات الإسرائيلية التي حاولت التوغل في منطقة الكرامة في غور الأردن. وتمكنت القوات الأردنية، بالتعاون مع المقاتلين الفلسطينيين، من صد الهجوم الإسرائيلي وإلحاق خسائر كبيرة بالقوات المهاجمة.
وقد اعتُبرت معركة الكرامة نقطة تحول معنوية مهمة بعد هزيمة 1967، إذ أعادت الثقة بقدرة الجيوش العربية على مواجهة الجيش الإسرائيلي.
وكانت تلك المعركة من الأحداث التي عاشها الجنود الأردنيون في تلك الفترة، ومنهم الحاج محمود الغرايبة الذي كان يخدم في صفوف الجيش العربي.
أحداث الأردن عام 1970
شهد الأردن في عام 1970 أحداثًا داخلية معقدة عُرفت تاريخيًا باسم أحداث أيلول، حيث وقعت مواجهات بين القوات المسلحة الأردنية وبعض التنظيمات الفلسطينية المسلحة داخل البلاد.
وقد كان الجيش الأردني في تلك الفترة يقوم بدور أساسي في استعادة الأمن والاستقرار داخل المملكة.
وكان الحاج محمود الغرايبة ضمن أفراد الجيش الذين عاشوا تلك المرحلة الحساسة من تاريخ الأردن.
حرب تشرين 1973
كما عاصر مرحلة حرب تشرين / أكتوبر عام 1973 التي اندلعت بين إسرائيل من جهة، ومصر وسوريا من جهة أخرى. وقد شاركت عدة دول عربية في الجهد العسكري والسياسي لدعم المعركة.
وكان الجيش العربي الأردني جزءًا من منظومة الدفاع العربية خلال تلك المرحلة، وقد لعب دورًا مهمًا في دعم الجبهة السورية.
وقد كانت تلك الحرب من الأحداث التي تابعها الجنود الأردنيون عن قرب خلال خدمتهم العسكرية.
فترة عمله خارج الأردن
قبل عودته إلى مواقع خدمته العسكرية في فلسطين، قضى الحاج محمود فترة عمل في دولة الكويت تجاوزت ستة أشهر، وهي مرحلة من مراحل حياته العملية قبل أن يعود ليكمل خدمته في الجيش العربي الأردني.
التقاعد من الخدمة العسكرية
بعد سنوات طويلة من الخدمة العسكرية، تقاعد الحاج محمود الغرايبة من القوات المسلحة الأردنية في عام 1980.
وقد أنهى خدمته وهو يحمل تقدير زملائه ومحبة من عرفوه في المؤسسة العسكرية، لما عُرف عنه من انضباط والتزام وأخلاق حسنة.
لكن التقاعد لم يكن نهاية دوره في المجتمع، بل بداية مرحلة جديدة من حياته الاجتماعية والإنسانية.
حياته الاجتماعية وصفاته الإنسانية
كان الحاج محمود معروفًا بين الناس بصفات إنسانية نبيلة، من أبرزها:
الكرم وإكرام الضيف
محبة الناس ومساعدتهم
الحكمة في الحديث
الهدوء والصبر
العلاقات الاجتماعية الواسعة
وكان بيته مفتوحًا للناس، يستقبل الضيوف بترحاب، ويحرص على تقديم العون لكل من يحتاج إليه.
وكان يؤمن أن العمل الصالح يجب أن يكون لوجه الله تعالى دون انتظار مقابل.
العمل الخيري وبناء المسجد
ومن أبرز الأعمال التي بقيت شاهدًا على عطائه أنه تبرع بجزء من أرضه لبناء مسجد في منطقة الهاشمية – الحي الغربي.
وقد أصبح هذا المسجد مكانًا للصلاة والعبادة لأبناء المنطقة، وهو عمل خيري يُعد من الصدقات الجارية التي يستمر أجرها بعد وفاة صاحبها.
حياته العائلية
رزق الحاج محمود الغرايبة بأسرة كبيرة كان يعتز بها كثيرًا.
الأبناء
الأستاذ فيصل
الأستاذ محمد
السيد أحمد
عبدالله
الأستاذ عبود
الملازم علي
نوح
الأستاذ مصطفى
إبراهيم
الأستاذ سيف الدين
البنات
شيخة
المرحومة فاطمة
الأستاذة نور
الأستاذة وفاء
الفاضلة آمنة
وقد كان شديد الاعتزاز بأبنائه وبناته، وكان يرى في الأسرة أعظم ما يتركه الإنسان بعده.
وفاته
بعد حياة طويلة من العمل والعطاء، انتقل الحاج محمود عبد الله سليمان عبد الجواد الغرايبة إلى رحمة الله تعالى في عام 2008.
وقد ترك رحيله أثرًا كبيرًا في نفوس عائلته وأقاربه وكل من عرفه، لكن ذكراه بقيت حاضرة لما تركه من سيرة طيبة وعلاقات قائمة على المحبة والاحترام.
إرثه في الذاكرة
يبقى اسم الحاج محمود الغرايبة حاضرًا في ذاكرة من عرفوه بوصفه:
أحد رجال الجيش العربي الأردني الذين خدموا الوطن في مراحل تاريخية مهمة.
رجلًا عرفه الناس بالكرم والطيبة وإكرام الضيف.
صاحب عمل خيري تمثل في بناء مسجد لخدمة المجتمع.
أبًا لعائلة كبيرة حملت اسمه وقيمه.
لقد عاش حياة بسيطة لكنها مليئة بالمعنى، وترك خلفه ذكرًا طيبًا بين الناس.
نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدمه من خير في ميزان حسناته.
