الدكتور محمد خالد الغرايبة
(تاريخ الولادة غير معروف – 2021)
الدكتور محمد رشيد غرايبة (أبو عماد)
طبيب الأطفال الذي اختار الإنسان قبل المهنة
يُعدّ الدكتور محمد رشيد غرايبة أحد النماذج الطبية والإنسانية التي ارتبط اسمها بذاكرة الأردنيين لعقود طويلة، لا من خلال المناصب أو الشهرة، بل عبر ممارسة صادقة لمهنة الطب بوصفها رسالة قبل أن تكون عملًا. وُلد في بلدة حوّارة بمحافظة إربد، وتلقّى تعليمه الطبي في خمسينيات القرن الماضي في بريطانيا، ليعود بعدها ويكرّس حياته لعلاج الأطفال وخدمة الناس. وقد وافته المنية في يوليو/تموز من عام 2021 بعد مسيرة حافلة بالعطاء.
افتتح الراحل عيادته في عمان – سوق الحجيري، وبقيت على حالها سنوات طويلة، عنوانًا للتواضع والالتصاق الحقيقي بالناس. لم تكن في عيادته مواعيد أو إجراءات رسمية؛ كان المراجعون يحضرون باكرًا ويجلسون بانتظار دورهم، في مشهدٍ إنساني جامع، جمع أهالي من مختلف مناطق الأردن. وكانت عيادته مقصدًا للفقراء قبل غيرهم، إذ ظلّت الكشفيّة في متناول الجميع، دنانير قليلة، وأحيانًا بلا مقابل، بل كان يعيد جزءًا منها لمن قدم من محافظة بعيدة قائلًا:
«بكفي مشوار إربد… أو الكرك… أو المفرق».
جاورت عيادته في تلك العمارة القديمة محالّ بسيطة: خياط، وبقالة، وورشة لتصليح الأجهزة الكهربائية. أما صالة الانتظار فكانت تضم ستة كراسٍ بلاستيكية وطاولة صغيرة تعلوها مجلات قديمة، وتزيّن الجدران صور ورسومات لروّاد الطب عبر التاريخ، في مشهد يعكس مدرسة طبية وفكرية متجذّرة.
تميّز الدكتور محمد غرايبة بأسلوبه الهادئ وقربه من الناس. لم يكن يسمح بتجاوز الدور، ولم يعرف المجاملة في حق المرضى، فالجميع سواء أمام الألم والحاجة. كان يُحسن الإصغاء، ويولي عناية فائقة لأخذ السيرة المرضية والفحص السريري، معتمدًا على أساسيات الممارسة الطبية أكثر من الإفراط في الفحوصات المخبرية أو الصور الشعاعية المعقّدة، ومكتفيًا بأضيق نطاق ممكن من التدخلات الدوائية عند الحاجة.
اشتهر بكلمته المطمئنة: «بسيطة»، التي كانت كفيلة بتخفيف القلق قبل أي وصفة علاجية. وكان يعتمد على النصيحة الطبية أولًا، ولا يلجأ إلى الدواء إلا عند الضرورة، وقد يقدّمه من خزانة صغيرة في عيادته خُصّصت للأدوية المجانية.
وقد رُويت عنه عشرات القصص لأطفالٍ عجزت عن علاجهم عيادات ومستشفيات، فكان – بعد توفيق الله – سببًا في شفائهم. ولم يقتصر عطاؤه على جدران عيادته، بل كان مرجعًا طبيًا يُستشار حتى من خارج الأردن، لا يتردد في إبداء رأيه الصريح إذا رأى خطأ في تشخيص أو علاج، واضعًا مصلحة الطفل فوق أي اعتبار.
وفي سنواته الأخيرة، ورغم ما أصاب جسده من تعب وانحناء ظهره من كثرة حمل الأطفال الرضّع، أصرّ على أداء عمله بنفسه، في صورة تختصر معنى الإخلاص للمهنة حتى آخر الطريق.
وقد أعادت وفاته إلى الأذهان مقولة شهيرة لأحد خبراء المعلوماتية الطبية حين سُئل:
«هل يمكن أن تُستبدل الآلة بالطبيب؟»
فأجاب:
«الطبيب الذي يمكن استبداله بالآلة، يجب استبداله بالآلة فورًا».
وكان الدكتور محمد غرايبة مثالًا للطبيب الذي لا يمكن أن تُستبدل إنسانيته، ولا حضوره، ولا حكمته بأي تقنية.
رحم الله الدكتور محمد رشيد غرايبة، فقد احتفظ – بعد عقود طويلة من العمل – بروح القسم الطبي الذي أخذه يوم تخرّجه، وترك أثرًا لا يُمحى في ذاكرة آلاف العائلات الأردنية.
وبأمثال هؤلاء الرجال بُني الأردن، حين كانت الخدمة العامة قيمة، والإنسان غاية، والمال وسيلة لا هدفًا.رشب
