فلاح عبدالله عليان الغرايبة
(1928 – 2011)
المرحوم فلاح عبدالله عليان الغرايبة
سيرة رجل من رواد الزراعة والإدارة الزراعية في الأردن
في تاريخ المجتمعات الريفية في شمال الأردن، وخاصة في حوّارة ولواء بني عبيد في محافظة إربد، برز عدد من الرجال الذين ساهموا في بناء مؤسسات الدولة الأردنية في سنواتها الأولى. ومن بين هؤلاء يبرز اسم المرحوم فلاح عبدالله عليان الغرايبة، الذي يُعد من أبناء الجيل الذي شارك في تأسيس العمل الزراعي الحكومي وتطويره في الأردن خلال منتصف القرن العشرين.
كان فلاح الغرايبة واحداً من الكفاءات الزراعية التي جمعت بين الخبرة العلمية والعمل الميداني والإدارة الحكومية، حيث امتدت مسيرته المهنية عبر عدد من المناطق المهمة في الأردن وفلسطين، وأسهم خلال عقود عمله في تطوير قطاع الزراعة والإشراف على إدارة الأراضي الزراعية والغابات والمراعي.
النشأة والبدايات
وُلد المرحوم فلاح عبدالله عليان الغرايبة عام 1928 في بيئة ريفية أصيلة من بيئات شمال الأردن، حيث نشأ في مجتمع يعتمد في معيشته على الزراعة والعمل بالأرض. وقد شكّلت هذه البيئة الزراعية الأولى أساس اهتمامه المبكر بعلم الزراعة وإدارة الموارد الطبيعية.
وفي تلك الفترة كانت الدولة الأردنية في بدايات بناء مؤسساتها الحديثة، وكان قطاع الزراعة أحد أهم القطاعات التي اعتمدت عليها البلاد في دعم الاقتصاد الوطني وتأمين الأمن الغذائي. لذلك اتجه فلاح الغرايبة إلى دراسة الزراعة ليكون جزءاً من هذا المشروع الوطني.
الدراسة والتأهيل العلمي
في بداية خمسينيات القرن العشرين، أُتيحت له فرصة متابعة تعليمه الزراعي خارج الأردن، حيث درس في قبرص لمدة عامين بين عامي 1952 و1954، وحصل على دبلوم في الزراعة. وقد كانت هذه المرحلة التعليمية من المراحل المهمة في تكوينه العلمي، إذ أتاحت له الاطلاع على الأساليب الحديثة في الزراعة وإدارة الأراضي الزراعية.
وفي عام 1957 تم ابتعاثه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث شارك في دورة تدريبية لمدة عام في ولاية أريزونا، وكان تخصصها في مجالات الأحراج والمراعي. وقد جاءت هذه الدورة في سياق توجه وزارة الزراعة الأردنية آنذاك إلى تطوير كوادرها الفنية والإدارية من خلال التدريب الدولي.
وقد أسهمت هذه الخبرات العلمية الخارجية في صقل مهاراته المهنية، وأكسبته معرفة متقدمة في إدارة الموارد الطبيعية، خاصة في البيئات الجافة وشبه الجافة التي تشبه طبيعة الأردن.
مسيرته المهنية في وزارة الزراعة
بعد عودته إلى الأردن، التحق المرحوم فلاح الغرايبة بوزارة الزراعة الأردنية، التي كانت في تلك المرحلة تشهد توسعاً كبيراً في مهامها المتعلقة بتنظيم الأراضي الزراعية وحماية الغابات وإدارة المراعي.
العمل في القدس ونابلس
في بداية مسيرته العملية، عُيّن مديراً لزراعة قضاء القدس، حيث تولّى مسؤولية الإشراف على شؤون الزراعة في المنطقة، وهي منطقة كانت تتميز بأهميتها الزراعية وتنوع محاصيلها.
وبعد ذلك انتقل للعمل مديراً لزراعة نابلس، وهي من المناطق الزراعية التاريخية في فلسطين، حيث كانت تشتهر بزراعة الزيتون والقمح والفاكهة. وقد كانت هذه الفترة من مسيرته المهنية مليئة بالتحديات، نظراً للظروف السياسية والإدارية التي شهدتها المنطقة في تلك السنوات.
مديراً لزراعة الكرك (1964)
في عام 1964 عُيّن مديراً لزراعة محافظة الكرك في جنوب الأردن.
وقد كانت هذه المرحلة من أبرز محطات حياته المهنية، إذ عمل على تطوير البرامج الزراعية في المنطقة، التي كانت تعتمد بشكل كبير على الزراعة المطرية وتربية المواشي.
ومن خلال موقعه الإداري، ساهم في:
تنظيم العمل الزراعي الحكومي في المحافظة
تطوير برامج حماية المراعي
دعم المزارعين المحليين
الإشراف على المشاريع الزراعية الحكومية
وقد عُرف خلال هذه الفترة بقدرته على الجمع بين الإدارة الحكومية والعمل الميداني، حيث كان قريباً من المزارعين ويتابع احتياجاتهم بشكل مباشر.
العمل في المملكة العربية السعودية
إلى جانب عمله في الأردن، عمل المرحوم فلاح الغرايبة فترة من الزمن في المملكة العربية السعودية، حيث شارك في مشاريع مرتبطة بالقطاع الزراعي. وقد كانت هذه التجربة جزءاً من انتقال الخبرات الزراعية الأردنية إلى عدد من الدول العربية في تلك الفترة.
مديراً لزراعة محافظة إربد
في المراحل الأخيرة من حياته المهنية عاد إلى محافظة إربد، حيث تولّى منصب مدير زراعة إربد، وهو أحد أهم المناصب الزراعية في شمال الأردن نظراً لكون المحافظة من أكبر المناطق الزراعية في البلاد.
وقد أنهى مسيرته المهنية في هذا المنصب عام 1980 بعد سنوات طويلة من العمل في خدمة القطاع الزراعي الأردني.
شخصيته وسمعته بين الناس
كان المرحوم فلاح الغرايبة معروفاً بين زملائه وأبناء مجتمعه بصفاته الإنسانية الرفيعة، فقد عُرف بـ:
الاستقامة والنزاهة في العمل
التواضع وحسن التعامل مع الناس
الالتزام بخدمة المزارعين
الحرص على تطوير العمل الزراعي
وقد بقيت علاقاته الاجتماعية واسعة، وكان يحظى باحترام كبير بين زملائه في وزارة الزراعة وبين أبناء المجتمع المحلي.
ويروي كثير ممن عرفوه أنه كان مثالاً للموظف الحكومي المخلص، الذي يرى في عمله خدمة للأرض والناس والوطن.
حياته العائلية
عُرف المرحوم فلاح عبدالله عليان الغرايبة بين أهله وأقاربه بلقب “أبو نضال”، وهو اللقب الذي كان يُنادى به في محيطه العائلي والاجتماعي.
وكان من الرجال الذين جمعوا بين العمل العام والحياة العائلية المستقرة، حيث كان حريصاً على تربية أبنائه على قيم العمل والاجتهاد وخدمة المجتمع.
وفاته
انتقل إلى رحمة الله تعالى عام 2011 بعد حياة امتدت لأكثر من ثمانية عقود، ترك خلالها سيرة طيبة وذكراً حسناً بين أهله وزملائه وكل من عرفه.
وقد بقي اسمه حاضراً في ذاكرة أبناء جيله وفي ذاكرة من عملوا معه في وزارة الزراعة، باعتباره واحداً من رجال المرحلة التي ساهمت في بناء الإدارة الزراعية الحديثة في الأردن.
مكانته في ذاكرة أبناء المنطقة
يمثل المرحوم فلاح عبدالله عليان الغرايبة نموذجاً من جيل الرواد الذين خدموا الدولة الأردنية في سنواتها الأولى، وساهموا في تطوير قطاع الزراعة الذي كان يشكل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني في تلك الفترة.
وفي ذاكرة أبناء حوّارة وعشيرة الغرايبة يبقى اسمه مرتبطاً بقيم العمل والإخلاص، وبسيرة رجل أفنى سنوات عمره في خدمة الأرض والإنسان.
رحم الله فلاح عبدالله عليان الغرايبة رحمة واسعة، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأبقى سيرته الطيبة حاضرة في ذاكرة الأجيال.
