عبدالله جميل حسن الغرايبه
(1940 – 2001)
المرحوم عبدالله جميل حسن محمد الحمد الغرايبه
في تاريخ القرى الأردنية، كثيرًا ما برزت شخصيات خدمت الوطن بصمت بعيدًا عن الأضواء، لكنها تركت أثرًا واضحًا في المجتمع المحلي وفي مؤسسات الدولة. ومن بين هذه الشخصيات يبرز اسم عبدالله جميل حسن محمد الحمد الغرايبه، أحد أبناء بلدة حوّارة في محافظة إربد، الذين جمعوا بين الخدمة العسكرية والعمل المدني والمساهمة في العمل البلدي.
تمثل سيرته نموذجًا لجيل من الأردنيين الذين نشؤوا في بيئة ريفية بسيطة، ثم التحقوا بمؤسسات الدولة الحديثة، وخاصة الجيش العربي الأردني والخدمات الطبية الملكية، حيث أسهموا في خدمة الوطن داخل الأردن وخارجه. وتبقى حياته شاهدًا على مسيرة طويلة من العمل والانضباط والالتزام بقيم الواجب والصدق.
تقع بلدة حوّارة جنوب شرق مدينة إربد في شمال الأردن، وتعد من القرى الزراعية المهمة في سهل حوران، وقد اشتهرت بأراضيها الخصبة وبعائلاتها العريقة ومن بينها عشيرة الغرايبة، التي تعد من أكبر العشائر في البلدة.
النشأة والبدايات
وُلد عبدالله جميل حسن محمد الحمد الغرايبه عام 1940 في بلدة حوّارة بمحافظة إربد شمالي الأردن. نشأ في أسرة أردنية محافظة عُرفت بالعمل والاجتهاد، وهو ابن جميل حسن محمد الحمد الغرايبه، ووالدته أضحية محمود شخاتره.
ترعرع في بيئة ريفية كانت تعتمد على الزراعة والعمل اليدوي، حيث كانت القرية في تلك الفترة تعتمد على الاقتصاد الزراعي، وكان التعليم في مراحله الأولى يتطور تدريجيًا في شمال الأردن. في تلك البيئة اكتسب القيم الأساسية التي ظلت ترافقه طوال حياته: البساطة، والانضباط، والاعتماد على النفس.
تلقى تعليمه المدرسي في مدارس المنطقة، ثم تابع دراسته في ثانوية إربد الأولى، وهي إحدى المدارس العريقة في شمال الأردن، حيث أنهى دراسته حتى الصف الرابع الثانوي. وقد كانت تلك المرحلة التعليمية في خمسينيات القرن العشرين تعد إنجازًا مهمًا لأبناء القرى، إذ لم تكن فرص التعليم متاحة كما هي اليوم.
الالتحاق بالجيش العربي
بعد إنهاء دراسته الثانوية، اتجه عبدالله الغرايبه إلى الخدمة العسكرية، فالتحق بـ الجيش العربي الأردني في فترة كانت الدولة الأردنية تبني مؤسساتها الحديثة وتعزز قدراتها العسكرية والطبية.
لم يكن التحاقه بالجيش مجرد وظيفة، بل كان خيارًا يعكس روح الانتماء الوطني التي ميزت أبناء جيله. وقد أُتيح له خلال خدمته أن يتلقى تدريبًا متخصصًا في المجال الطبي.
دورة مساعدي الصيادلة (1960)
في عام 1960 التحق بدورة مساعدي الصيادلة ضمن البرامج التدريبية التابعة للقوات المسلحة الأردنية. وقد كانت هذه الدورات تهدف إلى تأهيل كوادر طبية مساندة تعمل ضمن الخدمات الطبية الملكية، التي تعد من أبرز المؤسسات الطبية العسكرية في الأردن.
أنهى الدورة بنجاح، ما مكنه من العمل في المجال الصيدلاني الطبي داخل المنظومة العسكرية. وقد اكتسب خلال هذه المرحلة خبرة عملية في التعامل مع الأدوية والمستلزمات الطبية، إضافة إلى العمل في المستشفيات والمراكز الصحية التابعة للقوات المسلحة.
الخدمة في الإمارات العربية المتحدة
في بداية سبعينيات القرن العشرين، كان الأردن يشارك في بعثات عسكرية مختلفة لدعم الدول الشقيقة والمساهمة في بناء مؤسساتها الأمنية والعسكرية. وفي هذا السياق، أُوفد عبدالله الغرايبه ضمن بعثة الجيش العربي إلى دولة الإمارات العربية المتحدة.
جاءت هذه المهمة في مرحلة مبكرة من تاريخ دولة الإمارات، حيث شاركت كوادر أردنية عديدة في بناء المؤسسات العسكرية والأمنية والطبية هناك. وخلال تلك الفترة، أسهم الغرايبه بخبرته في العمل الطبي العسكري، وهو ما أتاح له اكتساب تجربة مهنية وإنسانية مهمة خارج الأردن.
العودة إلى الأردن والخدمات الطبية الملكية
بعد انتهاء مهمته في الإمارات، عاد إلى الأردن واستمر في خدمة وطنه ضمن الخدمات الطبية الملكية التابعة للقوات المسلحة الأردنية.
ظل يعمل في هذا القطاع لسنوات طويلة، حيث كان جزءًا من منظومة طبية عسكرية لعبت دورًا مهمًا في تقديم الرعاية الصحية للجنود وأسرهم، إضافة إلى إسهاماتها في خدمة المجتمع الأردني.
وخلال مسيرته العسكرية ارتقى في الرتب حتى وصل إلى رتبة ملازم أول، وهي رتبة تعكس سنوات من الخدمة والانضباط والالتزام.
التقاعد من الجيش (1981)
في عام 1981 أنهى عبدالله الغرايبه خدمته العسكرية وتقاعد من القوات المسلحة الأردنية بعد مسيرة امتدت لأكثر من عقدين من العمل في المجال الطبي العسكري.
ومع أن التقاعد العسكري كان نهاية مرحلة مهمة من حياته، إلا أنه لم يكن نهاية عطائه، إذ استمر في العمل والإنتاج في مجالات أخرى.
العمل في مستشفى وتكر الأمريكية في السعودية
بعد تقاعده من الجيش، انتقل للعمل خارج الأردن مرة أخرى، حيث عمل مساعد صيدلي في مستشفى وتكر الأمريكية في المملكة العربية السعودية.
استمر عمله هناك لمدة سنتين، حيث واصل تقديم خبرته الطبية في بيئة عمل جديدة. وقد شكلت هذه المرحلة امتدادًا لمسيرته المهنية في المجال الصحي.
العودة إلى حوّارة والعمل في الزراعة
بعد انتهاء فترة عمله في السعودية، عاد إلى بلدته حوّارة ليستقر فيها بشكل دائم. وكحال كثير من أبناء الريف الأردني، عاد إلى العمل في الزراعة، التي كانت جزءًا أصيلًا من حياة العائلة والمجتمع المحلي.
كانت الأرض بالنسبة له مصدرًا للعيش وارتباطًا بالجذور، كما كانت الزراعة في سهل حوران جزءًا من الهوية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة.
العمل البلدي والخدمة المجتمعية
لم يكتف عبدالله الغرايبه بدوره الزراعي والاجتماعي، بل شارك في العمل العام، حيث انتُخب عام 1999 نائبًا لرئيس بلدية حوّارة.
شكلت هذه الخطوة امتدادًا طبيعيًا لدوره الاجتماعي، إذ كان من الشخصيات المعروفة في البلدة، ويتميز بروح التعاون وخدمة الناس. وخلال عمله البلدي شارك في متابعة قضايا الخدمات المحلية والتنمية في البلدة.
المرض والرحيل
في أواخر حياته أُصيب بمرض السرطان، وقد واجه المرض بصبر كبير، حيث عانى منه لفترة من الزمن بصمت وثبات، كما يروي المقربون منه.
وفي 11 نيسان عام 2001 انتقل إلى رحمة الله تعالى، بعد حياة حافلة بالعمل والخدمة.
وقد دُفن في مسقط رأسه حوّارة، بين أهله وأبناء بلدته الذين عرفوه رجلًا خلوقًا وصادقًا في تعامله مع الناس.
ملامح شخصيته
عرف عبدالله جميل الغرايبه بين معارفه بعدة صفات ميزته طوال حياته، من أبرزها:
الالتزام والانضباط الذي اكتسبه خلال خدمته العسكرية.
التواضع والبساطة في التعامل مع الآخرين.
حب العمل وخدمة المجتمع المحلي.
الصبر والثبات في مواجهة المرض في سنواته الأخيرة.
وقد بقيت هذه الصفات جزءًا من الصورة التي يحتفظ بها أهله وأبناء بلدته عنه.
خاتمة
تمثل سيرة عبدالله جميل حسن محمد الحمد الغرايبه قصة جيل كامل من أبناء الأردن الذين بدأوا حياتهم في قرى بسيطة، ثم التحقوا بمؤسسات الدولة وخدموا وطنهم بإخلاص.
فمن التعليم في مدارس إربد، إلى الخدمة في الجيش العربي والخدمات الطبية الملكية، ثم العمل خارج البلاد، وصولًا إلى المشاركة في العمل البلدي وخدمة المجتمع، تتشكل صورة إنسان عاش حياته بين الواجب والعمل والأرض.
رحمه الله رحمة واسعة، وجعل ما قدمه من خدمة لوطنه وأهله في ميزان حسناته.
“نسأل الله العلي القدير أن يتقبله بواسع رحمته، وأن يجعل ذكراه الطيبة باقية في قلوب من عرفوه.”
