زهير يوسف ابراهيم غرايبة
(سنة الميلاد 1945)
الكابتن الطيار زهير يوسف ابراهيم غرايبة
رجلٌ من إربد حمل قلبه إلى السماء… وبقي وفيًّا للأرض والوطن
حين يكتب المرء عن الكابتن زهير يوسف غرايبة، فإنه لا يكتب عن طيار عادي، ولا عن سيرة مهنية تُختصر في المناصب والسنوات، بل يكتب عن رجل عرف معنى الطموح منذ بداياته الأولى، وحمل في شخصيته ملامح الأردني الجاد، المؤمن، الهادئ، الذي لا يرفع صوته كثيرًا، لكن سيرته وحدها تكفي لتقول الكثير.
كان الكابتن زهير رجلًا هادئًا في حضوره، دقيقًا في كلامه، صلبًا في تجربته، يحمل وقار الطيار العسكري، وحكمة الطيار المدني، وطمأنينة الإنسان المؤمن بالقدر. ومن يعرفه جيدًا يدرك أن الطيران لم يكن عنده وظيفة فقط، بل كان شغفًا ومسؤولية وطريق حياة. كان يرى أن السماء لا تكافئ المتهور، ولا تحمي من لا يعرف، لكنها تفتح أبوابها لمن يتدرّب، ويتقن، ويؤمن بما يفعل.
وُلد الكابتن زهير يوسف غرايبة في الخامس من فبراير عام 1945 في قرية المغيّر التابعة لإربد. خرج من بيت أردني بسيط، قريب من الناس والعمل والتعب الشريف. كان والده يوسف غرايبة يعمل في تجارة الأغنام، وله ملحمة في مدينة إربد. ومن ذلك البيت أخذ زهير معنى الاعتماد على النفس، وتعلّم أن الرجل لا تصنعه الراحة، بل يصنعه الصبر والعمل والقدرة على تجاوز الظروف. وقد عاش محبة والديه في ذاكرته طويلًا؛ فوالده توفي عام 1983، ووالدته توفيت عام 1994.
تلقى تعليمه في مدارس مدينة إربد، فدرس الابتدائية والإعدادية والثانوية، وتخرج من الثانوية العامة بمعدل 73%، وكان من العشرة الأوائل على اللواء في ذلك الوقت. لم يكن ذلك أمرًا عابرًا في زمن كانت فيه الإمكانات محدودة، والطرق إلى التعليم أصعب مما هي عليه اليوم. كان طالبًا جادًا، يعرف أن العلم هو الباب الأول للخروج من ضيق الظروف إلى سعة المستقبل.
التحق بعد ذلك بجامعة دمشق لمدة عام واحد، لكن الظروف المادية لم تسمح له بالاستمرار في الجامعة. ومع ذلك، لم يتوقف طموحه عند هذا العائق. كان من ذلك النوع من الرجال الذين إذا أُغلق أمامهم باب، بحثوا عن باب آخر، وإذا ضاقت الطريق، صنعوا لأنفسهم طريقًا جديدًا.
بعد حرب حزيران عام 1967، التحق في شهر أكتوبر من العام نفسه بـ سلاح الجو الملكي الأردني، وأُرسل إلى بريطانيا لدراسة علم الطيران. هناك بدأت مرحلة كبرى من حياته؛ مرحلة خرج فيها الشاب القادم من إربد إلى عالم صارم لا مكان فيه للتردد. عالم الطيران العسكري يحتاج إلى عقل سريع، وقلب ثابت، وانضباط لا يلين، وقد كان زهير أهلًا لهذا الطريق منذ بدايته.
لم يكن اختياره للطيران سهلًا على عائلته. خافوا عليه، كما تخاف العائلات على أبنائها من المهن الخطرة، ونصحوه بالعمل في مجال أكثر أمانًا واستقرارًا. عمل فعلًا في بنك الأردن مدة قصيرة لم تتجاوز تسعة أشهر، لكنه لم يستطع أن يبتعد عن الطيران. كان يعرف في داخله أن مكانه ليس خلف مكتب مصرفي، بل في قمرة القيادة. عاد إلى الطيران، وكأنه يعود إلى قدره الحقيقي.
خدم الكابتن زهير غرايبة في سلاح الجو الملكي الأردني مدة واحد وعشرين عامًا كطيار مقاتل. وفي تلك السنوات، لم يكن مجرد طيار يؤدي مهمة عسكرية، بل كان رجلًا يتكوّن يومًا بعد يوم في مدرسة صعبة، يتعلم فيها الطيار أن الثانية قد تغيّر مصير طائرة، وأن الهدوء في اللحظة الحرجة ليس صفة إضافية، بل شرط من شروط النجاة.
تلقى تدريبًا مكثفًا خارج الأردن، فقضى سنة ونصف في قاعدة الحبانية في العراق، وسنة وشهرين في قاعدة الضمير شرق مدينة دمشق في سوريا. وقاد عددًا من الطائرات المقاتلة، وكانت آخر طائرة عمل عليها في السلك العسكري طائرة F-5 الأمريكية، وهي طائرة مقاتلة نفاثة بمحركين وتتجاوز سرعتها سرعة الصوت.
تدرّج في الخدمة العسكرية حتى وصل إلى منصب قائد قاعدة الجفر، المعروفة أيضًا باسم قاعدة الملك فيصل بن عبد العزيز في منطقة معان. ولم يكن هذا المنصب مجرد رتبة أو عنوان، بل كان دليلًا على الثقة التي اكتسبها بخبرته وانضباطه وقدرته على القيادة. فقيادة قاعدة جوية تعني إدارة رجال، وطائرات، وتدريب، ومسؤوليات، وقرارات لا تحتمل التهاون.
كان يذكر بوفاء الرجال الذين أثروا في مسيرته، ومنهم الطيار الباكستاني سيف الدين الأعظم، والطيار الأردني الراحل جورج متى، الذي كان من مدربيه في الملكية الأردنية. كان يعرف قيمة المعلم والمدرب، لأن من يدخل عالم الطيران يدرك أن الخبرة لا تُبنى وحدها، بل تنتقل من رجال إلى رجال، ومن جيل إلى جيل.
ومن المواقف التي بقيت حاضرة في سيرته حادثة قاعدة الضمير في سوريا. أثناء الهبوط، لم ينزل العجل الأمامي للطائرة، فاضطر إلى الهبوط على العجلات الخلفية فقط. وعندما لامست مقدمة الطائرة المدرج، اشتعلت النار نتيجة الاحتكاك. في تلك اللحظة لم يكن أمامه وقت للخوف أو التردد، فقفز من شباك الطائرة وهي تسير على الأرض، بينما هرعت سيارات الإطفاء لإخماد الحريق. كان الموقف خطيرًا إلى حد احتمال انفجار الطائرة أو انطلاق الكرسي القاذف، لكنه خرج منه بثبات رجل يعرف أن الطيار لا يملك ترف الارتباك في لحظة الخطر.
بعد استقالته من سلاح الجو، انتقل إلى الملكية الأردنية، فبدأ فصلًا جديدًا من حياته المهنية. خدم فيها نحو خمسة وعشرين عامًا برتبة كابتن ومدرب. كان الانتقال من الطيران العسكري إلى الطيران المدني انتقالًا من مهمة إلى مهمة أخرى، لا من مسؤولية إلى راحة. في الطيران العسكري كان يحرس السماء، وفي الطيران المدني كان يحمل أرواح المسافرين بأمان. وفي الحالتين ظل الطيران عنده أمانة قبل أن يكون مهنة.
عمل على طائرات مدنية، وكان من أصحاب الخبرة الطويلة في طائرة Airbus A320. وقد عُرف لاحقًا في المجال المهني بصفته خبيرًا في الطيران ورئيسًا لدائرة التدريب في شركة تدريب الطيارين في الأردن JATS. كان يتحدث عن الطائرة من واقع قيادة وخبرة طويلة، لا من قراءة نظرية فقط.
وفي ذاكرته المدنية حادثة مطار ميلانو، حين وصل في رحلة متأخرة بين الرابعة والنصف والخامسة صباحًا، وكان الضباب كثيفًا إلى درجة انعدام الرؤية تقريبًا. اعتمد على نظام الطيار الآلي وهبط بالطائرة بسلام. وبعد الهبوط سأله برج المراقبة عن موقعه، فأخبرهم أنه على المدرج، فأرسلوا سيارة لسحب الطائرة إلى البوابة. كان يروي مثل هذه المواقف بهدوء من يعرف أن الطيران علم وإجراءات، لا استعراض ولا ارتجال.
ولأن رسالته في الطيران لم تتوقف عند قيادة الطائرات، واصل الكابتن زهير غرايبة طريقه في التدريب والفحص الجوي. عمل في الشركة الأردنية لتدريب الطيارين والطيران التشبيهي JATS، وارتبط اسمه بتدريب الطيارين وتقييم كفاءتهم.
كما امتدت خبرته التدريبية إلى مجالات متقدمة، ومنها التدريب على طائرات A320 والتعامل مع أوضاع الطيران غير الطبيعية والتعافي منها. وهذا النوع من التدريب يكشف الجانب الأعمق في خبرته؛ فهو لم يكن يعلّم الطيار كيف يقود الطائرة فقط، بل كيف يفكر وقت الخطر، وكيف يستعيد السيطرة حين تقترب الأمور من حدودها الصعبة.
وفي بيته، كان الكابتن زهير غرايبة رجل عائلة بقدر ما كان رجل طيران. تزوج من ابنة عمه، ورزقه الله ثلاثة أبناء وبنتين. وقد امتد أثر الطيران في أسرته أيضًا؛ فاثنان من أبنائه يعملان طيارين برتبة كابتن في الملكية الأردنية، أحدهما على طائرة Airbus A320، والآخر على طائرة Boeing 787. أما ابنه الثالث فارس، فهو مهندس يحمل درجة الماجستير في الهندسة الميكانيكية، ويعمل ممثلًا لشركة بوينغ في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، ومقره دبي. أما ابنتاه فكلتاهما متزوجتان، وله عدد من الأحفاد الذين يكتمل بهم دفء البيت وامتداد العائلة.
ومن يعرف الكابتن زهير يعرف أن فلسفته في الحياة لم تكن معقدة، لكنها كانت عميقة. كان يؤمن أن النجاح لا يأتي بالتمني، ولا بالانتظار، ولا بالاعتماد على الآخرين. كان يردد معنى العبارة المنسوبة إلى نابليون بونابرت: “كلمة مستحيل موجودة فقط في قاموس الحمقى”. وكان يرى أن الإنسان لا يبلغ مكانته إلا بالجد والاجتهاد والمثابرة والمتابعة.
أما الخوف من الطيران، فكان يتعامل معه بعقل الطيار لا بعاطفة الناس. كان يقول إن الطيار إذا عرف ماذا يفعل، وعرف إمكانياته، فلا مجال للخوف؛ لأن الخوف يأتي من عدم المعرفة. وهذه العبارة وحدها تكاد تختصر تجربته كلها: المعرفة أولًا، التدريب ثانيًا، والثقة بعد ذلك.
وكان إيمانه بالقدر حاضرًا في حديثه وحياته. لم يكن إيمانًا يدفع إلى التواكل، بل إيمانًا يمنح صاحبه الطمأنينة وهو يعمل ويأخذ بالأسباب. كان يعرف أن الخطر موجود في كل مكان، حتى والإنسان جالس في دكانه، ولذلك لم يسمح للخوف أن يمنعه من طريقه، ما دام قد عرف الطريق واستعد له كما يجب.
وكانت نصيحته للشباب صريحة وواضحة: أن يكون للشاب طموح، وأن يملك سلمًا يصعد به إلى القمة، وأن لا ينتظر الوظيفة أو يعتمد على الواسطة. هذه النصيحة لم تخرج من رجل عاش حياة سهلة، بل من رجل عرف ضيق الإمكانات، ثم صنع لنفسه طريقًا بالعمل والانضباط.
أما الأردن، فكان حاضرًا في قلبه حضور البيت الأول. كان يحب هذا الوطن حب من عرف قيمته في السفر والغياب، وكان يقدّر نعمة الأمن والأمان فيه. كان يرى أن الأردن، رغم صغر حجمه، قوي بوحدته ونسيجه الاجتماعي، وأن على أبنائه أن يتكاتفوا ويتعاونوا ليبقى هذا البلد كما عرفه: بيتًا آمنًا لأهله، وسندًا لمن ينتمي إليه.
انتقل الكابتن زهير غرايبة للسكن في عمّان عام 1984، وبنى منزله الحالي عام 1999. وبعد سنوات طويلة بين القواعد الجوية والمطارات والرحلات والتدريب، صار البيت مكانًا يستريح فيه رجل أعطى الطيران عمرًا طويلًا، وبقي محتفظًا بوقاره وهدوئه ومحبة الناس له.
هكذا تُقرأ سيرة الكابتن زهير يوسف غرايبة: رجل بدأ من قرية المغيّر في إربد، وتعلم في مدارسها، ثم حملته الحياة إلى دمشق وبريطانيا، ومنها إلى سلاح الجو الملكي الأردني، ثم إلى الملكية الأردنية، ثم إلى التدريب والفحص وصناعة الطيارين. لم تكن السماء عنده مكانًا بعيدًا، بل ميدانًا للمعرفة والانضباط والإيمان. ولم يكن الوطن عنده كلمة تُقال في المناسبات، بل بيتًا يعود إليه القلب مهما ابتعدت المسافات.
لا زال في ذاكرة من يعرفه، رجلًا جمع بين صلابة الطيار العسكري، ودقة الطيار المدني، وحكمة المدرب، وطمأنينة المؤمن بالقدر. ولهذا تستحق سيرته أن تُحفظ في الذاكرة العائلية والوطنية، لا لأنها سيرة طيار ناجح فحسب، بل لأنها سيرة أردني صعد من البدايات البسيطة إلى قمرة القيادة، ثم عاد ليعلّم غيره كيف يكون التحليق مسؤولية قبل أن يكون مجدًا.
