الدكتور رياض مصطفى صالح غرايبة
(سنة الميلاد 1940)
الدكتور رياض مصطفى صالح غرايبة
سيرة أرشيفية لرجلٍ عرفته المؤسسات قبل أن تعرفه العناوين
الدكتور رياض مصطفى صالح غرايبة من ذلك الجيل الأردني الهادئ الذي لا يطلب الضوء، لكنه يترك أثره في المكان الذي يعمل فيه. ومن يعرفه عن قرب يدرك أن سيرته لا تُختصر في منصبٍ إداري أو شهادة علمية، بل في طريقة حضوره داخل المؤسسة: رجلٌ منضبط، دقيق، واسع الثقافة، يميل إلى العمل الهادئ، ويؤمن أن خدمة الوطن تكون بالمعرفة، وبناء الإنسان، وحسن إدارة المسؤولية.
ولد الدكتور رياض سنة 1940، ونشأ في مرحلة كان الأردن فيها يبني مؤسساته الحديثة خطوةً خطوة. وكان واضحًا منذ بداياته أن مساره لن يكون عاديًا؛ فقد اختار طريق العلم التطبيقي، واتجه إلى تخصص نادر ومهم في ذلك الزمن، هو هندسة التعدين والجيوكيمياء. حصل على درجة الدكتوراه من جامعة موسكو سنة 1976، في حقلٍ يحتاج إلى صبر الباحث، ودقة العالم، وقدرة المهندس على قراءة الأرض وما تخفيه من دلائل وموارد.
لم يكن الدكتور رياض ممن يتعاملون مع العلم باعتباره شهادة تُعلّق على الجدار. كان ينظر إلى المعرفة بوصفها أداة لبناء الدولة. لذلك جاء عمله في سلطة المصادر الطبيعية منسجمًا تمامًا مع شخصيته العلمية. فقد كان قريبًا من الجيولوجيا، ومن الخرائط، ومن المختبرات، ومن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالثروات الطبيعية في الأردن. وفي تلك المرحلة، كان الأردن بحاجة إلى رجال يفهمون الأرض لا نظريًا فقط، بل ميدانيًا ومؤسسيًا.
في سلطة المصادر الطبيعية: عالمٌ قريب من الأرض
في سنوات عمله في سلطة المصادر الطبيعية، برز الدكتور رياض في مجال الجيوكيمياء، وهو المجال الذي يربط بين الكيمياء والجيولوجيا لفهم تركيب الصخور والتربة والخامات والمؤشرات المعدنية. ومن يعرف طبيعة ذلك العمل يدرك أنه ليس عملًا سهلًا؛ فهو يحتاج إلى عقلٍ تحليلي، وصبرٍ طويل، وانتباهٍ للتفاصيل الصغيرة التي قد تقود إلى نتائج كبيرة.
وقد شغل الدكتور رياض منصب رئيس قسم هندسة الجيوكيمياء في سلطة المصادر الطبيعية خلال مرحلة مبكرة من تطور العمل الجيولوجي الأردني. وكان حضوره في هذا الموقع جزءًا من جيلٍ أسهم في تأسيس المعرفة العلمية حول موارد الأردن الطبيعية، في وقتٍ كانت فيه الدولة تسعى إلى فهم إمكاناتها المعدنية والجيولوجية بصورة منهجية.
وتظهر قيمة هذه المرحلة أيضًا من خلال ورود اسمه في مراجع علمية مبكرة مرتبطة بالاستكشاف الجيوكيميائي في الأردن، ومنها إشارة إلى عمل علمي منسوب إلى Riad Gharaibeh حول الاستكشاف الجيوكيميائي لكتلة غرانيت العقبة في أواخر ستينيات القرن العشرين. وهذا النوع من الإشارات لا يمر عابرًا في السيرة؛ فهو يوضح أن الدكتور رياض لم يكن إداريًا بعيدًا عن التخصص، بل كان حاضرًا في جوهر العمل العلمي نفسه.
من الجيولوجيا إلى التعليم التقني
حين انتقل الدكتور رياض إلى ميدان التعليم التقني، لم يكن ذلك خروجًا من العلم، بل امتدادًا طبيعيًا له. فقد كان يدرك أن الدولة لا تُبنى بالمعرفة النظرية وحدها، بل تحتاج إلى الفني، والمهندس التطبيقي، وخريج الكلية القادر على العمل والإنتاج.
تولى عمادة كلية الحصن الجامعية في مطلع الثمانينيات، وكانت تلك المرحلة من أهم مراحل التعليم التقني في الأردن. لم تكن الكلية مجرد مؤسسة تعليمية محلية، بل كانت جزءًا من مشروع وطني لإعداد الكفاءات الفنية والهندسية. وكان الدكتور رياض، بطبيعته الهادئة والمنظمة، مناسبًا لهذا النوع من المسؤولية؛ فهو رجل يقدّر المختبر كما يقدّر القاعة الدراسية، ويفهم أن التعليم الحقيقي هو الذي يصل الطالب بحاجات المجتمع وسوق العمل.
ومن يعرف أسلوبه في الإدارة يدرك أنه كان يميل إلى الجدية، لا إلى الاستعراض. كان يؤمن أن المؤسسة القوية تُبنى بالنظام، وبالكوادر المؤهلة، وبالاحترام المتبادل بين الأستاذ والطالب والإدارة. لذلك بقي اسمه مرتبطًا بمرحلة مهمة من تاريخ كلية الحصن، مرحلة كان التعليم التقني فيها يبحث عن مكانته ويثبت ضرورته في المجتمع الأردني.
مستشارًا ثقافيًا: الأردن في الخارج
بعد تجربته في كلية الحصن، حمل الدكتور رياض خبرته إلى فضاء آخر، هو فضاء العمل الثقافي والدبلوماسي التعليمي. فقد عمل مستشارًا ثقافيًا لدى السفارة الأردنية في رومانيا بين أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات.
ومن يعرف معنى هذا المنصب في تلك الفترة يدرك أنه لم يكن منصبًا تشريفيًا. كان المستشار الثقافي مسؤولًا عن صورة الأردن الأكاديمية، وعن متابعة شؤون الطلبة، وعن بناء جسور مع الجامعات والمؤسسات التعليمية، وعن تمثيل الدولة بأسلوب يجمع بين الدبلوماسية والمعرفة.
كان الدكتور رياض مناسبًا لهذا الدور؛ فقد عرف معنى الدراسة في الخارج، وعرف ما يحتاجه الطالب الأردني حين يكون بعيدًا عن وطنه، وعرف أيضًا كيف تُبنى العلاقات الثقافية بهدوء واحترام. وفي تلك المهمة، لم يكن يمثل مؤسسة فقط، بل كان يمثل بلدًا، ويمثل صورة الرجل الأردني المتعلم، الرصين، القادر على الحوار والعمل.
في جامعة اليرموك ووزارة التعليم العالي
عاد الدكتور رياض بعد ذلك إلى الأردن، فكان قريبًا من جامعة اليرموك ومن وزارة التعليم العالي. وقد عمل مستشارًا ثقافيًا في جامعة اليرموك، ثم انتقل إلى مواقع قيادية في وزارة التعليم العالي، حيث شغل منصب أمين عام مساعد، ثم أمين عام الوزارة بالوكالة.
كانت تلك المرحلة من التسعينيات مرحلة مهمة في تاريخ التعليم العالي الأردني. فقد توسعت الجامعات، وازدادت أعداد الطلبة، وتنامت الحاجة إلى تنظيم كليات المجتمع، والبعثات، والاعتراف بالشهادات، والعلاقات الثقافية مع الدول الأخرى. وفي مثل هذه المرحلة، كان وجود شخصية مثل الدكتور رياض ذا قيمة واضحة؛ فهو يجمع بين العلم، والخبرة الإدارية، والمعرفة بالتعليم التقني، والتجربة الثقافية خارج الأردن.
وتشير الصحف الأردنية القديمة إلى حضوره في مناسبات ولقاءات رسمية بصفته مساعدًا للأمين العام في وزارة التعليم العالي، وهو ما يوضح أنه كان جزءًا من العمل اليومي للوزارة، لا اسمًا إداريًا فقط. كان يشارك في تمثيل الوزارة، ورعاية الفعاليات، ومتابعة العلاقات التعليمية، وهو دور يحتاج إلى ثقة مؤسسية وخبرة طويلة.
ومن يعرفه يرى في هذه المرحلة خلاصة شخصيته: رجلٌ يعمل بصمت، يعرف الملفات، يحترم المؤسسة، ويؤدي الدور المطلوب دون ضجيج.
في الاتحاد العربي للتعليم التقني
ثم جاءت محطة عربية مهمة في سيرته، حين تولى منصب أمين عام الاتحاد العربي للتعليم التقني في بغداد بين عامي 1997 و2001. وهذه المرحلة لا تُقرأ بوصفها انتقالًا وظيفيًا فقط، بل بوصفها امتدادًا لاهتمامه العميق بالتعليم التقني، ولكن على مستوى عربي أوسع.
كان التعليم التقني في العالم العربي بحاجة إلى صوتٍ مؤسسي يدافع عن قيمته، ويناقش تطويره، ويربطه بالتنمية وسوق العمل. والدكتور رياض كان يحمل خبرة أردنية طويلة في هذا المجال، من كلية الحصن، ومن وزارة التعليم العالي، ومن عمله في التعليم والثقافة. لذلك جاء وجوده في الاتحاد العربي للتعليم التقني امتدادًا منطقيًا لمسيرته.
كان يؤمن أن التعليم التقني ليس تعليمًا من الدرجة الثانية، بل هو ركيزة من ركائز التنمية. وكان يرى، كما يعرفه من عرف مسيرته، أن الأمة التي لا تحترم الفني والمهني والمهندس التطبيقي تبقى ناقصة الأدوات أمام تحديات الاقتصاد والصناعة والإنتاج.
رجلٌ من طراز مؤسسي هادئ
ما يميز سيرة الدكتور رياض مصطفى صالح غرايبة أنها لا تقوم على اللمعان الإعلامي. هو من الشخصيات التي تُعرف من أثرها لا من كثرة ظهورها. يظهر اسمه في سجل عمادة كلية، وفي خبر صحفي قديم، وفي مرجع علمي، وفي موقع إداري، وفي ذاكرة من عملوا معه. ومن هذه الخيوط تتكون صورة رجلٍ خدم الدولة من أكثر من باب.
كان عالمًا قريبًا من الجيولوجيا، وإداريًا قريبًا من التعليم، ومستشارًا قريبًا من الطلبة، ومسؤولًا قريبًا من المؤسسة، وعربيًا في اهتمامه بالتعليم التقني. جمع بين الصرامة العلمية والهدوء الشخصي، وبين المعرفة الفنية والخبرة الإدارية.
ومن يعرفه لا يراه فقط في المناصب التي شغلها، بل في الطريقة التي شغل بها تلك المناصب. كان يحمل هيبة هادئة، ووقارًا غير متكلف، وعقلًا مرتبًا، ونظرة عملية للأمور. لم يكن من رجال الخطابة العالية، بل من رجال العمل المتراكم. ومثل هؤلاء كثيرًا ما تكون سيرتهم جزءًا من ذاكرة الدولة، حتى وإن لم تُكتب عنهم الكتب الكثيرة.
خلاصة أرشيفية
يمثل الدكتور رياض مصطفى صالح غرايبة نموذجًا لجيلٍ أردني آمن بأن بناء الوطن يحتاج إلى علمٍ ومؤسسة وانضباط. بدأ من الأرض وعلومها، ثم انتقل إلى الإنسان وتعليمه، ثم إلى تمثيل الأردن ثقافيًا، ثم إلى إدارة التعليم العالي، ثم إلى العمل العربي في التعليم التقني.
إن سيرته تستحق أن تُحفظ ضمن الأرشيف العائلي والوطني، لأنها سيرة رجلٍ لم يكتفِ بأن يكون صاحب شهادة رفيعة، بل جعل من علمه طريقًا للخدمة العامة. وحين تُذكر أسماء الذين أسهموا في بناء التعليم التقني والإدارة التعليمية في الأردن، فإن اسم الدكتور رياض مصطفى صالح غرايبة يبقى حاضرًا بين رجال المرحلة الذين عملوا بصمت، وتركوا أثرًا لا يُقاس بالظهور، بل بالثقة والمسؤولية والاستمرارية.
خط زمني مختصر
| السنة / الفترة | المحطة |
|---|---|
| 1940 | الميلاد. |
| 1967–1981 | رئيس قسم هندسة الجيوكيمياء في سلطة المصادر الطبيعية. |
| 1969 | ظهور اسم Riad Gharaibeh في مرجع علمي حول الاستكشاف الجيوكيميائي لكتلة غرانيت العقبة. |
| 1976 | دكتوراه في هندسة التعدين / الجيوكيمياء من جامعة موسكو. |
| 1981–1986 | عميد كلية الحصن الجامعية، بحسب صفحة جامعة البلقاء التطبيقية الرسمية. |
| 1987–1991 | مستشار ثقافي لدى السفارة الأردنية في رومانيا. |
| 1991–1992 | مستشار ثقافي في جامعة اليرموك. |
| 1992–1996 | أمين عام مساعد في وزارة التعليم العالي. |
| 1996–1997 | أمين عام وزارة التعليم العالي بالوكالة. |
| 1997–2001 | أمين عام الاتحاد العربي للتعليم التقني في بغداد. |
سلسلة المراجع
- صفحة شجرة العائلة الخاصة بالدكتور رياض مصطفى صالح غرايبة على موقع hishamgharaibeh.org.
- صفحة العمداء السابقين لكلية الحصن الجامعية – جامعة البلقاء التطبيقية.
- أرشيف صحيفة الرأي، 1996، وفيه ذكر للدكتور رياض غرايبة بصفته مساعد الأمين العام في وزارة التعليم العالي.
- أرشيف صحيفة الدستور، 1996، وفيه ذكر رعايته فعالية في كلية مجتمع السلط مندوبًا عن وزير التعليم العالي بصفته مساعد أمين عام الوزارة.
- تقرير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية USGS الذي يورد مرجع Gharaibeh, Riad, 1969 حول الاستكشاف الجيوكيميائي لغرانيت العقبة.
- قاعدة AGRIS / FAO التي تورد دراسة عام 1989 حول الأثر البيئي لمكب الأكيدر في شمال الأردن، وتظهر فيها إشارة بحثية مرتبطة باسم Riad.
- مصادر عن سلطة المصادر الطبيعية ودورها في الدراسات الجيولوجية والجيوكيميائية في الأردن.
