...

ياسر محمد غصاب الغرايبة

ياسر محمد غصاب الغرايبة

(1955 – 2012)

المرحوم ياسر محمد غصاب الغرايبة (أبو عمار)

في القرى الهادئة التي تتكئ على جبال عجلون، لا تُقاس قيمة الرجال بعدد المناصب التي مرّوا بها، بل بالأثر الذي يتركونه في الذاكرة والناس. هناك، في قرية السبيرة القريبة من عجلون، وُلد عام 1955 ياسر محمد غصاب الغرايبة “أبو عمار”، ليكون واحداً من تلك الشخصيات التي عبرت الحياة بهدوء الحكماء، لكنها تركت في المكان صدى لا يغيب.

نشأ أبو عمار في بيتٍ عُرف بالهيبة الاجتماعية والانفتاح الفكري، فهو الابن الأكبر لرئيس بلدية الهاشمية الأسبق المرحوم محمد الغصاب الغرايبة “أبو ياسر”، وابن أخ المختار أحمد الغصاب “أبو خالد”، ذلك الاسم الذي ارتبط بالحكمة والوجاهة وحضور الكلمة بين الناس. وكان الأخ الأكبر لثمانية إخوة وثماني أخوات، فحمل منذ شبابه المبكر مسؤوليةً مبطنةً بالنضج، وكأن الحياة كانت تُهيّئه ليكون سنداً لا مجرد فردٍ في عائلة.

بدأ مسيرته التعليمية والأكاديمية في عجلون، حيث تشكل وعيه الأول بين دفاتر المدرسة وأحاديث القرى والجبال، قبل أن ينتقل إلى بيروت ملتحقاً بجامعة بيروت العربية، برفقة مجموعة من شباب الغرايبة والهاشمية في تلك المرحلة التي كانت فيها بيروت مدينةً تشبه الحلم العربي المفتوح على الفكر والسياسة والثقافة. وهناك تشكلت ملامح شخصيته الفكرية والسياسية، واكتسب خبرات وتجارب تركت أثراً واضحاً في رؤيته للحياة والناس.

دخل ميدان التعليم مؤمناً بأن المعرفة ليست مهنة، بل رسالة أخلاقية. عمل معلماً في الهاشمية، ثم سافر إلى اليمن مدرساً، وهناك اتسعت تجربته الإنسانية والثقافية، قبل أن يواصل مسيرته الأكاديمية ويحصل على درجة الماجستير في الإرشاد التربوي من جامعة اليرموك، ويتدرج في السلم التربوي حتى تولى إدارة قسم الإشراف التربوي في الإرشاد. كما عمل مرشداً نفسياً في مدينة الطائف بالمملكة العربية السعودية، حيث عُرف بقدرته العميقة على فهم الإنسان، وهدوئه في التعامل مع الآخرين، وإيمانه بأن بناء النفس لا يقل أهمية عن بناء العقل.

لم يكن أبو عمار مجرد أكاديمي أو موظف تربوي؛ بل كان ابن مرحلة عربية مضطربة ومليئة بالأفكار الكبرى. انخرط مبكراً في العمل السياسي والحزبي، وتأثر بفكر البعث العربي خلال فترة وجوده في بغداد، وهناك تشكل جانب واسع من فلسفته السياسية والفكرية. لكنه، مع مرور السنوات، بدا أقرب إلى المفكر الاجتماعي منه إلى الحزبي التقليدي؛ فقد كان يرى أن الإنسان أهم من الشعارات، وأن قيمة الفكر الحقيقية تكمن في قدرته على خدمة الناس لا السيطرة عليهم.

وفي سنواته الأخيرة، أنهى مسيرته المهنية في إدارة إحدى المنشآت التجارية الكبرى في العاصمة عمّان، متنقلاً بين عالم الفكر والعمل والإدارة، دون أن يفقد تلك الروح الهادئة التي كانت تميّزه.

أما على المستوى الاجتماعي، فقد كان أبو عمار أشبه بذاكرةٍ تمشي بين الناس. منذ صغره، كان يجالس كبار العشيرة وشيوخها في السهرات والمجالس، يصغي أكثر مما يتكلم، ويحفظ الروايات والأحداث والأنساب والقصص التي شكلت تاريخ الغرايبة وعجلون. ومع الوقت، أصبح مرجعاً لكثير من الباحثين والمهتمين بتاريخ المنطقة، ليس لأنه يحفظ الوقائع فقط، بل لأنه كان يرويها بروح العارف الذي يفهم معنى الزمن وتحولات البشر.

كان رجلاً مختلفاً في حضوره وحديثه؛ يمتلك ذكاءً فطرياً، ولساناً بليغاً، وقدرةً على تحويل أبسط الحوارات إلى مساحة للتأمل والمعنى. من يجالسه يشعر أنه أمام شخصية تشكلت من مزيج نادر: تجربة سياسية، وعمق أكاديمي، ووعي اجتماعي، وفلسفة حياة صنعتها الأسفار والقراءة والاحتكاك الطويل بالناس.

ولعل أكثر ما ميّزه هو حضوره في الإصلاح وحل الخلافات العشائرية والاجتماعية. فقد كان يؤمن أن الكلمة الطيبة قد تمنع خصومة، وأن الحكمة ليست انتصار طرف على آخر، بل الحفاظ على ما تبقى من المحبة بين الناس. لذلك بقي لسنوات طويلة شخصية مقبولة ومحترمة في مجالس الصلح والإصلاح، يُستدعى لما يملكه من عقل راجح وقدرة على تهدئة النفوس.

تزوج أبو عمار عام 1982، ورُزق بستة أبناء وابنتين، وقد ترك فيهم انعكاساً واضحاً لأخلاقه وفكره وطريقته في الحياة، حتى أصبح من يعرف أبناءه يلمس فيهم شيئاً من حضوره وهدوئه واحترامه للناس.

وفي الخامس عشر من تموز عام 2012، رحل أبو عمار إثر حادث سير مؤسف، لكن بعض الرجال لا تنتهي حياتهم لحظة الغياب؛ لأنهم يتركون خلفهم ما هو أبقى من العمر: الأثر. لقد ترك إرثاً فكرياً وأخلاقياً وإنسانياً ما زال حاضراً في ذاكرة كل من عرفه، وبقي اسمه واحداً من الأسماء التي تُذكر في الهاشمية وعجلون بوصفها جزءاً من زمنٍ كانت فيه الكلمة موقفاً، والعلم رسالة، والوجاهة أخلاقاً قبل أن تكون مكانة.

معرض الصور
Facebook
LinkedIn
Telegram
WhatsApp
Email

كم كانت هذه المعلومات مفيدة؟

اختار نحمة للتقييم

التقييم المتوسط / 5. عدد الأصوات

لا يوجد اصوات, كن أول من يصوت

حيث انك وجدت المقال مفيد

تابعنا على شبكات التواصل الاجتماعي

ناسف لانك لم تجد المقل مفيد

ساعدنا بتطوير المقال

اخبرنا كيف يمكن تطوير المقال

Seraphinite AcceleratorOptimized by Seraphinite Accelerator
Turns on site high speed to be attractive for people and search engines.