محمود يوسف محمود الغرايبة

(1932 – 2008)

المرحوم الأستاذ محمود يوسف محمود الغرايبة (أبو رائد)

يُعدّ المرحوم الأستاذ محمود يوسف محمود الغرايبة (أبو رائد) من أبناء الجيل التعليمي والثقافي الذي أسهم في تشكيل ملامح الحياة التعليمية والفكرية في شمال الأردن خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وقد ارتبط اسمه بسلك التعليم، وبالحضور الثقافي والسياسي الهادئ الذي اتسم به عدد من مثقفي تلك المرحلة، الذين جمعوا بين العمل التربوي والانشغال بالشأن العام، والإيمان بدور المعرفة في نهضة المجتمع.

النشأة والبدايات

وُلد محمود يوسف محمود الغرايبة عام 1932 في بلدة حوارة بمحافظة إربد، وهي البلدة التي كانت في تلك الفترة إحدى القرى الزراعية النشطة في سهل حوران، والتي عُرفت بحضور عدد من العائلات العلمية والتعليمية فيها. نشأ في بيتٍ محافظ يقدّر العلم ويولي التعليم أهمية كبيرة، وهو أمر انعكس لاحقاً على مسيرته المهنية والفكرية.

التحق في طفولته بمدرسة حوارة الابتدائية، حيث تلقى تعليمه الأول في بيئة تعليمية بسيطة ولكنها كانت تقوم على قيم الانضباط والجدية. ومع انتقال العائلة في بداية الأربعينيات إلى مدينة إربد، التحق بمدارسها، وكانت آنذاك مركزاً تعليمياً مهماً في شمال الأردن.

واصل دراسته في مدرسة إربد الثانوية التي كانت من المدارس البارزة في تلك الفترة، وخرجت عدداً من الشخصيات التي لعبت أدواراً لاحقة في الحياة الأكاديمية والسياسية والإدارية في الأردن. وقد أتم فيها دراسته الثانوية في بداية الخمسينيات، وهي فترة كانت تشهد توسعاً تدريجياً في التعليم النظامي في المملكة الأردنية الهاشمية.

الدخول إلى سلك التعليم

بعد حصوله على شهادة الثانوية العامة، التحق المرحوم بسلك التعليم، وهو المجال الذي اختاره عن قناعة وإيمان عميق بدور المعلم في بناء المجتمع. وقد عمل مدرساً في عدد من مدارس محافظة إربد، حيث كان التعليم في تلك المرحلة يعتمد على نخبة من المعلمين الذين حملوا على عاتقهم مهمة نشر المعرفة في مجتمع ما يزال في طور بناء مؤسساته الحديثة.

تميّز أبو رائد خلال عمله في التعليم بالجدية والانضباط والاهتمام بتكوين شخصية الطالب، ولم يكن التعليم بالنسبة له مجرد نقل للمعرفة، بل كان رسالة أخلاقية وتربوية. وكان يؤمن بأن المعلم الحقيقي هو من يغرس في طلابه روح الاجتهاد، واحترام العلم، والالتزام بالقيم الاجتماعية.

وقد عرفه طلابه وزملاؤه بأنه معلم واسع الثقافة، هادئ الطبع، واضح الرأي، يميل إلى الحوار الفكري، ويحرص على أن تكون المدرسة مساحة للنقاش والمعرفة.

الإعارة إلى المملكة العربية السعودية

في عام 1963، قامت وزارة التربية والتعليم الأردنية بإعارته إلى المملكة العربية السعودية، وذلك في إطار التعاون التعليمي بين الدول العربية في تلك الفترة، حيث كانت الكفاءات التعليمية الأردنية مطلوبة في العديد من الدول العربية التي كانت تعمل على تطوير أنظمتها التعليمية.

عمل خلال تلك الفترة مدرساً في المدارس السعودية، وأسهم مع غيره من المعلمين العرب في دعم العملية التعليمية هناك. وكانت تلك التجربة فرصة له للاحتكاك ببيئات تعليمية مختلفة، والاطلاع على تجارب تربوية جديدة.

الدراسة الجامعية في جامعة دمشق

بعد عودته من الإعارة، سعى إلى استكمال تعليمه العالي، فالتحق بـ جامعة دمشق، التي كانت في تلك الفترة واحدة من أبرز الجامعات العربية التي تستقطب الطلبة من مختلف أنحاء الوطن العربي.

درس اللغة الإنجليزية، وتمكن من الحصول على درجة البكالوريوس في أوائل السبعينيات. وقد أسهمت هذه الدراسة في توسيع آفاقه الفكرية والمعرفية، حيث أتاح له تخصصه الاطلاع على الأدب والثقافة الغربية، إلى جانب اهتمامه العميق بالفكر العربي والقضايا السياسية والفكرية المعاصرة.

العمل في قطاع الترجمة في السعودية

في منتصف السبعينيات عاد مرة أخرى إلى المملكة العربية السعودية، ولكن هذه المرة للعمل في قطاع الترجمة في القطاع المصرفي السعودي. وقد استفاد في هذا المجال من إتقانه للغة الإنجليزية، ومن خبرته الثقافية الواسعة.

عمل في هذا المجال لسنوات، وأسهم في الأعمال المتعلقة بالترجمة والاتصال اللغوي في بيئة مصرفية كانت تشهد نمواً كبيراً مع توسع الاقتصاد السعودي في تلك المرحلة.

وقد عُرف في هذا العمل بالدقة والاحترافية والالتزام، وهي الصفات التي لازمته طوال حياته المهنية.

العودة إلى الأردن والعمل الحر

مع نهاية ثمانينيات القرن العشرين عاد إلى الأردن ليستقر في وطنه وبين أهله. وبعد سنوات طويلة من العمل في التعليم والترجمة، اتجه إلى عدد من مشاريع العمل الحر، مستفيداً من خبراته المتراكمة وعلاقاته الاجتماعية الواسعة.

وقد ظل خلال تلك المرحلة حاضراً في الوسط الاجتماعي في مدينة إربد، حيث عرفه الكثيرون من أبناء جيله ومن النخب الثقافية والاجتماعية في المدينة.

حضوره الثقافي والفكري

لم يكن المرحوم محمود الغرايبة مجرد معلم أو مترجم، بل كان أيضاً مثقفاً واسع الاطلاع، مهتماً بالشأن العام وبالقضايا الفكرية والسياسية التي كانت تشغل العالم العربي في تلك المرحلة.

وقد عُرف بين أصدقائه ومعارفه بتوجهاته القومية العربية، وبميله إلى الفكر اليساري الذي كان حاضراً بقوة في الأوساط الثقافية العربية خلال خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن العشرين.

وكان يؤمن بوحدة بلاد العرب وبضرورة النهضة الثقافية والاجتماعية، وكان يتابع باهتمام النقاشات الفكرية والسياسية التي شهدها العالم العربي خلال تلك العقود.

ومع ذلك، فقد ظل في مواقفه متزناً ومعتدلاً، يميل إلى الحوار أكثر من الجدل، ويحرص على الاستماع إلى مختلف الآراء.

مكانته الاجتماعية

تميّز أبو رائد بعلاقاته الطيبة مع نخب مدينة إربد السياسية والاجتماعية، وكان حاضراً في المجالس الثقافية والاجتماعية التي تجمع أبناء المدينة.

كما كان من أبناء عشيرة الغرايبة الذين يُشار إليهم بالحكمة والاعتدال، وقد عُرف بقدرته على إصلاح ذات البين، والسعي إلى تقريب وجهات النظر بين الناس، وهي خصلة كانت محل تقدير واحترام في المجتمع المحلي.

وقد وصفه كثير ممن عرفوه بأنه رجل هادئ الطباع، واسع الصدر، محب للمعرفة، كريم في علاقاته الإنسانية.

صفاته الشخصية

عرف عنه المقربون منه مجموعة من الصفات التي طبعت شخصيته، من أبرزها:

  • حب المعرفة والقراءة

  • الهدوء والاتزان في الرأي

  • الاحترام العميق للتعليم والمعلمين

  • الالتزام الأخلاقي في العمل

  • الانفتاح الفكري والحوار الهادئ

وكان يرى أن التعليم هو الطريق الحقيقي لبناء المجتمع، وأن الأجيال الجديدة هي التي تحمل مسؤولية مستقبل الوطن.

أثره في التعليم والمجتمع

ينتمي المرحوم محمود يوسف محمود الغرايبة إلى جيل المعلمين الرواد الذين عملوا في التعليم الأردني في سنواته الأولى، وهي المرحلة التي كان فيها المعلم يؤدي دوراً يتجاوز حدود المدرسة ليصل إلى المجتمع بأسره.

وقد أسهم مع أبناء جيله في تربية أجيال من الطلبة الذين أصبح كثير منهم لاحقاً أطباء ومهندسين ومعلمين وموظفين في مؤسسات الدولة.

ولهذا يُعدّ واحداً من أولئك المعلمين الذين تركوا أثراً تربوياً وإنسانياً عميقاً في مجتمعهم.

وفاته

توفي رحمه الله عام 2008 بعد حياة حافلة بالعطاء في التعليم والعمل الثقافي والاجتماعي. وقد ترك خلفه سيرة طيبة وذكراً حسناً بين أهله وطلابه وأصدقائه.

ولا يزال من عرفه يذكرونه بوقاره وثقافته وطيب معشره، وبكونه مثالاً لجيل من المثقفين والمعلمين الذين عاشوا حياتهم بإخلاص بعيداً عن الأضواء.

خاتمة

يمثل الأستاذ محمود يوسف محمود الغرايبة (أبو رائد) نموذجاً لجيل من أبناء الأردن الذين جمعوا بين العمل التربوي والثقافة الواسعة والانشغال بالشأن العام. وقد أسهم هذا الجيل في بناء المجتمع الأردني الحديث من خلال التعليم والعمل الفكري.

وإذا كان التاريخ كثيراً ما يكتب أسماء السياسيين والقادة، فإن الذاكرة الاجتماعية تحتفظ أيضاً بأسماء المعلمين والمثقفين الذين أسهموا بصمت في بناء الإنسان، وهو البناء الذي يبقى الأثر الأعمق والأبقى في مسيرة الأمم.

رحم الله الأستاذ محمود يوسف محمود الغرايبة، وجزاه عن طلابه ومجتمعه خير الجزاء.

معرض الصور
Facebook
LinkedIn
Telegram
WhatsApp
Email

كم كانت هذه المعلومات مفيدة؟

اختار نحمة للتقييم

التقييم المتوسط / 5. عدد الأصوات

لا يوجد اصوات, كن أول من يصوت

حيث انك وجدت المقال مفيد

تابعنا على شبكات التواصل الاجتماعي

ناسف لانك لم تجد المقل مفيد

ساعدنا بتطوير المقال

اخبرنا كيف يمكن تطوير المقال