محمد يوسف محمود غرايبة
(1939 – 2023)
المرحوم المهندس محمد يوسف محمود غرايبة (أبو هاني)
أحد رواد الصناعة الوطنية في الأردن
يُعدّ المرحوم المهندس محمد يوسف محمود غرايبة (أبو هاني) واحدًا من الأسماء التي ارتبطت ببدايات التأسيس الصناعي في المملكة الأردنية الهاشمية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فقد كان من الجيل الذي ساهم في نقل الاقتصاد الأردني من مرحلة الاعتماد الكبير على الاستيراد إلى مرحلة بناء الصناعات المحلية، عبر مشاريع صناعية مبكرة كان لها أثر واضح في دعم قطاع البناء والصناعات المعدنية.
وقد عُرف بين معاصريه بالجدية المهنية، وبعد النظر الاقتصادي، والإيمان العميق بأهمية الصناعة الوطنية في بناء الدولة الحديثة. وكان ممن جمعوا بين التأهيل الأكاديمي الهندسي المتقدم والخبرة العملية في العمل الحكومي والقطاع الصناعي الخاص، الأمر الذي أهّله لأن يكون من الشخصيات المؤثرة في المشهد الصناعي الأردني خلال عقود التأسيس.
النشأة والبدايات
وُلد المهندس محمد يوسف محمود غرايبة عام 1939 في محافظة إربد شمال المملكة الأردنية الهاشمية، في بيئة اجتماعية عُرفت بتقديرها للعلم والعمل. وقد نشأ في مجتمعٍ كان يعيش آنذاك مرحلة التحول من الحياة التقليدية إلى بدايات الدولة الحديثة، وهي المرحلة التي دفعت كثيرًا من أبناء جيله إلى التوجه نحو التعليم العالي والاختصاصات العلمية.
تلقى تعليمه الابتدائي في مدارس مدينة إربد، حيث ظهرت لديه منذ سنواته المبكرة ميول واضحة نحو العلوم التطبيقية والهندسة. ومع انتهاء المرحلة المدرسية الأساسية، اتجه لمتابعة تعليمه الثانوي خارج الأردن، فسافر إلى جمهورية مصر العربية حيث حصل على شهادة الثانوية العامة، في مرحلة كانت مصر فيها مركزًا مهمًا للتعليم العالي العربي.
الدراسة الجامعية والتأهيل العلمي
بعد إنهاء دراسته الثانوية، التحق بـ جامعة الإسكندرية في مصر، إحدى الجامعات العربية العريقة التي لعبت دورًا مهمًا في إعداد الكفاءات الهندسية في العالم العربي خلال تلك الفترة. وهناك درس الهندسة الميكانيكية ونال درجة البكالوريوس في هذا التخصص.
وقد شكّلت دراسته في الإسكندرية مرحلة تأسيسية في تكوينه العلمي، حيث اطّلع على الأسس الحديثة للهندسة الصناعية والتصميم الميكانيكي، وهي المعارف التي ستنعكس لاحقًا على مشاريعه الصناعية في الأردن.
ولم يكتفِ بذلك، بل واصل مسيرته العلمية في المملكة المتحدة، حيث التحق ببرامج الدراسات العليا في مدينة لندن، ونال درجة الماجستير في الهندسة الصناعية. وقد أتاحت له هذه التجربة الاطلاع على التطور الصناعي الأوروبي ونظم الإدارة الصناعية الحديثة، وهو ما أسهم في توسيع رؤيته لدور الصناعة في بناء الاقتصادات الوطنية.
العودة إلى الأردن وبداية العمل المهني
بعد إتمام دراسته العليا في بريطانيا، عاد المهندس محمد غرايبة إلى الأردن في فترة كانت البلاد تشهد فيها خطواتها الأولى نحو بناء قاعدة صناعية وطنية.
التحق بالعمل في وزارة الصناعة والتجارة، حيث شارك في عدد من الأعمال المرتبطة بتنظيم القطاع الصناعي ودعم المبادرات الصناعية الناشئة. وقد تميّز في هذه المرحلة بقدرته على الربط بين المعرفة الهندسية والتخطيط الصناعي.
وخلال عمله الحكومي تم انتدابه إلى بنك الإنماء الصناعي، وهو أحد المؤسسات التي أُنشئت لدعم المشاريع الصناعية في الأردن. وهناك تولّى الإشراف على مشروع إنشاء المدينة الصناعية، الذي كان من المبادرات المبكرة لتنظيم النشاط الصناعي وتوفير بيئة مناسبة للمصانع الوطنية.
وقد أسهم هذا المشروع في تشجيع الاستثمار الصناعي المحلي وخلق بيئة إنتاجية منظمة في العاصمة عمّان.
الريادة في تأسيس الصناعة المعدنية
لم يقتصر دور المهندس محمد غرايبة على العمل المؤسسي، بل اتجه لاحقًا إلى المبادرة الصناعية المباشرة، إيمانًا منه بأهمية تأسيس الصناعات الوطنية على أرض الواقع.
وفي عام 1965 قام بتأسيس شركة الصناعات المعدنية الأردنية في منطقة ماركا في العاصمة عمّان، وهي من أوائل الشركات الصناعية المتخصصة في الصناعات المعدنية في الأردن.
وقد عملت الشركة في عدة مجالات صناعية مهمة، من أبرزها:
تصنيع مراجل الماء الساخن
تصنيع مشعات التدفئة المركزية (الراديترات)
تصنيع الأعمدة المعدنية الخاصة بقطاع البناء
وكان لهذه المنتجات دور مهم في دعم قطاع الإنشاءات والتشييد الذي كان يشهد توسعًا ملحوظًا في الأردن خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين.
كما ساهمت هذه الصناعات في توفير بدائل محلية للمنتجات المستوردة، الأمر الذي ساعد في دعم الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
الحضور في العمل المؤسسي الصناعي
إلى جانب نشاطه الصناعي، شارك المهندس محمد غرايبة في العمل المؤسسي المرتبط بالقطاع الصناعي في الأردن.
فقد ترشّح لانتخابات غرفة صناعة عمّان، وفاز بعضوية مجلس إدارة الغرفة في دورتها السادسة (1983 – 1987)، حيث ساهم مع زملائه الصناعيين في دعم المبادرات التي تهدف إلى تطوير الصناعة الوطنية وتحسين البيئة الاستثمارية للصناعات المحلية.
وكان حضوره في الغرفة الصناعية جزءًا من دوره الأوسع في الدفاع عن مصالح الصناعيين وتعزيز مكانة الصناعة في الاقتصاد الأردني.
التكريم الملكي
تقديرًا لجهوده وإسهاماته في بناء الصناعة الوطنية، حظي المهندس محمد يوسف محمود غرايبة بتكريم ملكي عام 1987 من جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال، وذلك بوصفه أحد رواد وبناة الصناعة في الأردن.
وقد جاء هذا التكريم في إطار تقدير الدولة الأردنية للجيل الأول من الصناعيين الذين ساهموا في وضع اللبنات الأساسية للقطاع الصناعي في المملكة.
الانتماء المهني
كان المهندس محمد غرايبة من أوائل المنتسبين إلى نقابة المهندسين الأردنيين، وهي المؤسسة المهنية التي تمثل المهندسين في المملكة.
ومن خلال عمله الصناعي ومشاركته المهنية، ساهم في ترسيخ دور المهندسين الأردنيين في القطاعات الإنتاجية والصناعية، مؤكدًا أن الهندسة ليست مجرد تخصص علمي، بل ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية.
صفاته الشخصية وأثره الاجتماعي
عرفه من تعامل معه بأنه رجل هادئ الطباع، واسع الاطلاع، يؤمن بالعمل الدؤوب والإنجاز بعيدًا عن الأضواء. وكان يتمتع بعلاقات واسعة في الوسط الصناعي والمهني، حيث كان يحظى باحترام زملائه الصناعيين والمهندسين.
كما كان مثالًا للجيل الذي آمن بأن الاستثمار في الصناعة هو استثمار في مستقبل الوطن، وهو المبدأ الذي ظل يرافق مسيرته المهنية طوال حياته.
وفاته وإرثه
انتقل إلى رحمة الله تعالى يوم 21 كانون الثاني / يناير 2023، بعد حياة طويلة حافلة بالعمل والعطاء.
وقد ترك وراءه إرثًا صناعيًا ومهنيًا يُعد جزءًا من تاريخ تطور الصناعة الأردنية، حيث كان من الجيل الذي ساهم في وضع الأسس الأولى للصناعات الوطنية، وأسهم في بناء مؤسسات إنتاجية ساعدت في دعم الاقتصاد الوطني.
ويبقى اسمه حاضرًا في ذاكرة الصناعة الأردنية، بوصفه أحد الرواد الذين جمعوا بين العلم والعمل والإيمان بقدرة الصناعة الوطنية على بناء المستقبل.
