لطفي محمد أحمد مفضي غرايبة
(ولد عام 1939)
الأستاذ لطفي محمد أحمد مفضي غرايبة
أحد رجالات التربية والتعليم في شمال الأردن
يُعدّ الأستاذ لطفي محمد أحمد مفضي غرايبة من الشخصيات التربوية التي ارتبط اسمها بمسيرة التعليم في محافظة إربد خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وهو من أبناء بلدة حوّارة في لواء قصبة إربد، التي عُرفت عبر تاريخها بإسهام أبنائها في مجالات التعليم والخدمة العامة. وقد جمع في حياته بين العمل التربوي والتعليم النظامي وبين العمل التجاري والزراعي، فكان نموذجاً لجيل من المعلمين الأردنيين الذين أسهموا في بناء المجتمع المحلي علمياً واقتصادياً في آن واحد.
النشأة والبدايات
وُلد الأستاذ لطفي محمد أحمد مفضي غرايبة في بلدة حوّارة بمحافظة إربد عام 1939، في مرحلة تاريخية كانت المنطقة فيها تشهد تحولات اجتماعية وتعليمية مهمة في ظل بدايات بناء مؤسسات الدولة الأردنية الحديثة. وقد نشأ في بيئة ريفية محافظة تُقدّر العلم والتعليم، وكان التعليم آنذاك من أهم السبل التي يسعى أبناء القرى من خلالها إلى تحسين أوضاعهم الاجتماعية والمهنية.
في تلك البيئة، تشكّلت شخصية لطفي غرايبة على قيم الجد والاجتهاد والاعتماد على النفس، وهي القيم التي ظلّت تلازمه طوال حياته المهنية والاجتماعية.
المسيرة التعليمية
تابع دراسته في المدارس الحكومية في محافظة إربد، وكان من أبناء الجيل الذي استفاد من توسّع التعليم في الأردن خلال خمسينيات القرن العشرين، حين بدأت الدولة الأردنية تولي اهتماماً متزايداً بنشر التعليم في مختلف المناطق.
وبعد إنهائه الدراسة الثانوية، التحق بجامعة دمشق في الجمهورية العربية السورية، التي كانت آنذاك من أبرز الجامعات العربية التي تستقطب الطلبة الأردنيين. وهناك درس الآداب، وحصل على درجة البكالوريوس في الآداب عام 1963.
وقد كانت جامعة دمشق خلال تلك الفترة مركزاً علمياً مهماً في المنطقة، تخرج فيها عدد كبير من المعلمين والمثقفين الأردنيين الذين عادوا لاحقاً ليشكلوا النواة الأساسية للكوادر التعليمية في الأردن.
ومع تطور مسيرته المهنية، وحرصه على تطوير نفسه أكاديمياً، حصل الأستاذ لطفي غرايبة لاحقاً على الدبلوم العالي من جامعة اليرموك عام 1983، وهي من الجامعات الأردنية التي لعبت دوراً بارزاً في إعداد الكوادر التربوية في شمال المملكة منذ تأسيسها في سبعينيات القرن العشرين.
العمل في سلك التعليم
بعد تخرّجه من جامعة دمشق، التحق الأستاذ لطفي غرايبة بسلك التعليم في وزارة التربية والتعليم الأردنية، حيث بدأ مسيرة طويلة امتدت نحو أربعة وثلاثين عاماً في خدمة التعليم.
وخلال هذه المسيرة التربوية، عمل في عدد من المدارس في محافظات مختلفة من المملكة، وهو أمر كان شائعاً بين المعلمين في تلك الفترة، إذ كانت وزارة التربية والتعليم تقوم بنقل المعلمين بين المحافظات وفق الحاجة التعليمية.
وقد أتاح له هذا التنقل التعرف إلى شرائح اجتماعية مختلفة من المجتمع الأردني، والإسهام في تعليم أجيال من الطلبة في أكثر من منطقة.
وفي نهاية المطاف، استقر به المقام في مدينة إربد، حيث عمل في مدرسة إربد الثانوية، إحدى أعرق المدارس الثانوية في شمال الأردن، والتي تخرج فيها العديد من الشخصيات الأكاديمية والسياسية والثقافية في الأردن.
وقد عُرف بين زملائه وطلبته بالجدية والانضباط، وكان من المعلمين الذين ينظرون إلى التعليم باعتباره رسالة تربوية قبل أن يكون وظيفة.
دوره التربوي وأثره في طلابه
ينتمي الأستاذ لطفي غرايبة إلى جيل من المعلمين الذين لعبوا دوراً محورياً في بناء النظام التعليمي الأردني في مرحلة التوسع خلال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات.
وكان المعلم في تلك الفترة يمثل شخصية اجتماعية مرموقة، إذ كان يساهم في:
نشر المعرفة والثقافة
توجيه الطلبة تربوياً وأخلاقياً
دعم المجتمع المحلي في مسيرته نحو التعليم والتنمية
وقد ترك الأستاذ لطفي أثراً طيباً في نفوس كثير من طلابه الذين تتلمذوا على يديه خلال سنوات طويلة من التدريس.
العمل التجاري
إلى جانب عمله في التعليم، كان الأستاذ لطفي غرايبة مثالاً على المعلم المنتج الذي يسعى إلى تنويع مصادر دخله من خلال العمل الحر.
فقد امتلك محلاً تجارياً للأدوات المنزلية في مدينة إربد، وكان محله معروفاً لدى أهالي المدينة، حيث جمع بين العمل التربوي والعمل التجاري دون أن يؤثر أحدهما في الآخر.
وكانت هذه الظاهرة شائعة بين المعلمين في تلك الفترة، حيث كان كثير منهم يمارسون التجارة أو الزراعة إلى جانب عملهم الرسمي.
وقد ساعده نشاطه التجاري في تعزيز علاقاته الاجتماعية مع أهالي المدينة، فكان معروفاً في الوسط المحلي بدماثة أخلاقه وحسن تعامله.
النشاط الزراعي
لم تقتصر اهتمامات الأستاذ لطفي غرايبة على التعليم والتجارة، بل كان أيضاً مرتبطاً بالأرض والزراعة، وهي علاقة متجذرة لدى أبناء القرى في شمال الأردن.
ففي عام 1985 أنشأ كرماً زراعياً، حيث اهتم بزراعة الأرض والعناية بها، وكان يقضي جزءاً من وقته في هذا النشاط الزراعي الذي كان بالنسبة له مصدر راحة وارتباط بالجذور الريفية التي نشأ فيها.
وقد شكل هذا الكرم مساحة اجتماعية أيضاً، حيث كان يجتمع فيه مع الأصدقاء والأقارب، في تقليد اجتماعي يعكس طبيعة الحياة الريفية في شمال الأردن.
مكانته الاجتماعية
عُرف الأستاذ لطفي محمد أحمد مفضي غرايبة بين أبناء مجتمعه بصفات عديدة، من أبرزها:
الالتزام الأخلاقي
حب العمل والاجتهاد
احترام العلم والتعليم
العلاقات الاجتماعية الطيبة
وكان من الشخصيات التي تجمع بين الهدوء والحكمة، وهي صفات كثيراً ما تُنسب إلى المعلمين من جيل الرواد الذين عاشوا مرحلة بناء الدولة الأردنية الحديثة.
إرثه التربوي والاجتماعي
يمكن القول إن الأستاذ لطفي غرايبة يمثل نموذجاً لجيل من المعلمين الذين أسهموا بصمت في بناء المجتمع الأردني، بعيداً عن الأضواء الإعلامية، لكن أثرهم ظل باقياً في الأجيال التي تتلمذت على أيديهم.
وقد تميزت حياته بتوازن واضح بين عدة أدوار:
المعلم المربي في المدرسة
التاجر في سوق المدينة
المزارع المرتبط بأرضه
الإنسان الاجتماعي القريب من أبناء مجتمعه
وهذا التنوع في الأدوار يعكس صورة المجتمع الأردني في تلك المرحلة التاريخية، حيث كان الفرد يؤدي أكثر من دور في خدمة مجتمعه.
خاتمة
تبقى سيرة الأستاذ لطفي محمد أحمد مفضي غرايبة مثالاً على المسيرة الهادئة التي صنعها آلاف المعلمين في الأردن، ممن عملوا بإخلاص في المدارس والقرى والمدن، وأسهموا في نشر العلم وبناء الأجيال.
وإذا كانت أسماء كثيرة من هؤلاء المعلمين لم تُدوّن في كتب التاريخ الرسمية، فإن أثرهم الحقيقي يبقى محفوظاً في ذاكرة طلابهم ومجتمعاتهم، وفي المسيرة التعليمية التي قامت على أكتافهم خلال العقود الأولى من بناء الدولة الأردنية الحديثة.
وقد ظل الأستاذ لطفي غرايبة واحداً من هؤلاء الرجال الذين جمعوا بين العلم والعمل، وبين التعليم والإنتاج، وبين الخدمة العامة والانتماء للأرض.
