علي عوض حسن غرايبة
(1947 – 2013)
المرحوم الحاج علي عوض حسن غرايبة (أبو محمد)
سيرة رجل من رجالات جبل عجلون
في الذاكرة الاجتماعية لقرى جبل عجلون تبقى أسماء رجال تركوا أثرهم في الناس قبل أن يتركوا آثارهم في الأوراق والوثائق. ومن بين هؤلاء يبرز اسم المرحوم علي عوض حسن غرايبه، الذي ظل حضوره حيًا في مجالس الناس وذاكرة أهالي المنطقة بما عرف عنه من شهامة وكرم وحسن سيرة.
وُلد علي عوض حسن غرايبه عام 1947 في قرية السبيرة الواقعة غرب محافظة عجلون، وهي إحدى القرى التي عُرفت بأصالتها وبانتمائها العميق إلى تاريخ الجبل وأهله. نشأ في بيئة ريفية محافظة تقوم على قيم التعاون والتكافل الاجتماعي، وهي القيم التي رافقته طوال حياته وشكّلت ملامح شخصيته وسلوكه بين الناس.
النشأة والتعليم
تلقى تعليمه الأولي في مدرسة الهاشمية، حيث أنهى المرحلة الأساسية من تعليمه. وكانت مدارس تلك المرحلة، خاصة في القرى الأردنية، تقوم بدور يتجاوز التعليم الأكاديمي إلى بناء الشخصية وغرس قيم الانتماء والعمل والاعتماد على النفس.
ومنذ سنوات شبابه الأولى، كان واضحًا ميله إلى الحياة العملية والانخراط في خدمة الوطن، وهو ما دفعه لاحقًا إلى الالتحاق بالمؤسسة العسكرية الأردنية التي كانت آنذاك تشكّل مدرسة في الانضباط والالتزام الوطني.
الخدمة في القوات المسلحة الأردنية
التحق علي عوض حسن غرايبه بصفوف القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي في مرحلة كانت فيها المؤسسة العسكرية تشهد تطورًا كبيرًا في التدريب والتنظيم.
وقد تميّز خلال خدمته العسكرية بروح الانضباط والجرأة، حتى أصبح أول جندي يلتحق بدورة الصاعقة في صفوف الجيش الأردني، وهو أمر يعكس مستوى عالياً من اللياقة البدنية والقدرة على التحمل والشجاعة، إذ كانت تلك الدورات تُعد من أصعب الدورات العسكرية وأكثرها تطلبًا.
لاحقًا، انتقل إلى العمل مدربًا في سلاح الهندسة الملكي، حيث ساهم في تدريب وتأهيل العديد من الجنود، ناقلاً إليهم خبرته العسكرية وروح الانضباط التي اكتسبها خلال خدمته.
إلا أن مسيرته العسكرية لم تستمر كما كان يأمل، فقد تعرض خلال خدمته لإصابة بالغة حالت بينه وبين مواصلة الخدمة العسكرية، الأمر الذي أدى إلى إحالته إلى التقاعد بسبب الإصابة. ومع أن ذلك شكّل منعطفًا في حياته، إلا أنه تقبله بروح المؤمن بقضاء الله، واستمر في حياته بعزيمة لم تنكسر.
الحياة بعد التقاعد
بعد تقاعده من القوات المسلحة، عاد إلى أرضه في جبل عجلون، حيث انشغل بالزراعة ورعاية الأرض التي ظل يعتبرها مصدر العطاء والاستقرار.
كانت حياته في تلك المرحلة امتدادًا لروحه الريفية الأصيلة؛ فقد عرفه الناس مزارعًا محبًا لأرضه، حريصًا على إعمارها والعمل فيها. وكانت الزراعة بالنسبة له ليست مجرد مصدر رزق، بل أسلوب حياة يعكس علاقة الإنسان بأرضه وبيئته.
حضوره الاجتماعي ومكانته بين الناس
لم يكن علي عوض حسن غرايبه مجرد فرد من أبناء قريته، بل كان من وجهاء جبل عجلون المعروفين بحسن السيرة وطيب الذكر.
وكان مجلسه مفتوحًا للناس، حتى قيل إن بيته لم يخلُ من الضيوف إلا في ساعات النوم. وكان الضيف يجد في بيته الكرم الصادق والحديث الطيب والوجه البشوش.
وقد عرفه من عاشره بأنه:
كريم اليد والنفس
صاحب كلمة صادقة لا يخشى في الحق لومة لائم
رجل ذو حكمة ورزانة في الرأي
مفوّه بحديثه، دافئ في أسلوبه مع الناس
وكانت شخصيته تجمع بين الجرأة في قول الحق والهدوء في معالجة الأمور، وهو ما جعله محل احترام وتقدير في المجالس الاجتماعية والعشائرية.
وكان كثيرون يعجبون من حنكته وسعة أفقه، إذ كان ينظر إلى الأمور نظرة بعيدة المدى، ويقدّم رأيًا متوازنًا يراعي مصلحة الناس والمجتمع.
العائلة والذرية
ترك المرحوم علي عوض حسن غرايبه عائلة كبيرة ممتدة كان يعتز بها ويوليها اهتمامًا كبيرًا.
ومن أبنائه:
الدكتور المحامي محمد (الابن الأكبر)
فائق
عامر
موفق
إسلام
يحيى
عمران
كما رزقه الله ثماني بنات وصفهن من عرفه بأنهن من المؤنسات الكريمات اللواتي نشأن على القيم التي غرسها في أسرته من احترام الناس والتمسك بالأخلاق.
وقد شكّلت عائلته امتدادًا طبيعيًا لمسيرته الاجتماعية، حيث حافظ الأبناء على السيرة الطيبة التي تركها والدهم بين الناس.
ملامح شخصيته
عندما يستعيد من عرفوا علي عوض حسن غرايبه ذكراه، فإنهم يتحدثون عن رجل جمع بين عدة صفات نادرة في شخص واحد:
الشجاعة العسكرية التي ظهرت في خدمته في الجيش
الحكمة الاجتماعية التي اتسمت بها مواقفه بين الناس
الكرم والضيافة التي عرف بها مجلسه
الصدق والوضوح في التعبير عن الرأي
وكانت خطاه الواثقة ونظرته المستقبلية تجعل الكثيرين يستشيرونه في شؤونهم الخاصة والعامة.
رحيله وبقاء الذكر
رحل علي عوض حسن غرايبه عن الدنيا عام 2013، لكن أثره لم يرحل مع رحيله. فقد بقي اسمه حاضرًا في ذاكرة أهالي جبل عجلون وفي مجالس أبناء عشيرة الغرايبة، حيث يذكرونه بسيرته الطيبة ومواقفه الكريمة.
وفي المجتمعات الريفية الأصيلة، تبقى قيمة الإنسان بما يتركه في قلوب الناس، لا بما يملكه من مال أو منصب. وقد كان علي عوض حسن غرايبه من أولئك الرجال الذين تركوا ذكرًا طيبًا وسيرة حسنة يرويها الأبناء والأحفاد.
خاتمة
إن سيرة المرحوم علي عوض حسن غرايبه تمثل نموذجًا لرجل من أبناء الريف الأردني الذين جمعوا بين خدمة الوطن في الميدان العسكري وخدمة المجتمع في حياتهم اليومية.
وقد بقي اسمه مرتبطًا بصفات الكرم والشجاعة والحكمة، وهي صفات شكّلت جزءًا من الهوية الاجتماعية لأهالي جبل عجلون وأبناء عشيرة الغرايبة.
رحمه الله رحمة واسعة، وجعل ما تركه من أثر طيب بين الناس في ميزان حسناته.
