عبد الرحمن عبدالله الغرايبه
(1917 – 2013)
المرحوم عبد الرحمن عبدالله الغرايبه
تاجر من زمن الثقة ومؤسس سوق الغرايبة في إربد
في ذاكرة مدينة إربد، حيث تختلط أصوات الأسواق القديمة برائحة الحبوب والتوابل، تبرز أسماء رجال صنعوا تاريخها الاقتصادي بصمتٍ واجتهاد. ومن بين هؤلاء يبرز اسم المرحوم عبد الرحمن عبدالله الغرايبه، أحد تجار الزمن الجميل الذين ارتبط اسمهم بالحركة التجارية في المدينة، وتركوا بصمة واضحة في تاريخها الاقتصادي والاجتماعي.
لم يكن عبد الرحمن الغرايبه مجرد تاجر في السوق، بل كان جزءاً من جيلٍ من الرجال الذين بنوا تجارتهم على السمعة الطيبة والثقة والالتزام بالكلمة، وهي القيم التي شكلت أساس العلاقات التجارية في بلاد الشام خلال النصف الأول من القرن العشرين.
النشأة والبدايات
وُلد عبد الرحمن عبدالله الغرايبه عام 1917 في مرحلة تاريخية كانت فيها مدينة إربد في طور التحول من بلدة زراعية هادئة إلى مركز تجاري مهم في شمال الأردن. نشأ في بيئة بسيطة لكنها غنية بقيم العمل والاعتماد على النفس، وهي القيم التي انعكست لاحقاً على مسيرته المهنية.
في تلك السنوات، لم تكن التجارة علماً يُدرس في الجامعات، بل كانت مدرسة الحياة اليومية في الأسواق. ومن خلال الاحتكاك المباشر بالتجار والتعامل مع الزبائن، اكتسب خبرته تدريجياً، متعلماً أصول البيع والشراء وإدارة العلاقات التجارية.
وقد عُرف منذ شبابه بالنشاط والحيوية والقدرة على بناء علاقات واسعة مع التجار، وهو ما ساعده على ترسيخ مكانته في سوق إربد مع مرور السنوات.
التجارة بين الأردن وفلسطين
في تلك الحقبة، كانت الأسواق في بلاد الشام مترابطة اقتصادياً، وكانت حركة التجارة بين المدن الأردنية والفلسطينية نشطة ومستمرة. وفي هذا السياق، توسعت أعمال عبد الرحمن الغرايبه لتتجاوز حدود الأردن.
امتدت نشاطاته التجارية إلى مدينتي حيفا والخليل في فلسطين، حيث كان يتعامل مع التجار والأسواق هناك في تبادل البضائع والسلع. وكانت هذه التجارة تعتمد على الثقة الشخصية والسمعة الطيبة أكثر من اعتمادها على العقود الرسمية.
وقد أسهمت هذه العلاقات التجارية في تعزيز حركة السوق في إربد وربطها بالأسواق الإقليمية في تلك الفترة.
حضور في الحياة الاقتصادية لمدينة إربد
مع تطور الحركة التجارية في المدينة، أصبح عبد الرحمن الغرايبه من الوجوه المعروفة في السوق الإربدي، وكان من بين التجار الذين ساهموا في دعم النشاط الاقتصادي المحلي.
وكان عضواً في غرفة تجارة إربد، وهي المؤسسة التي لعبت دوراً مهماً في تنظيم العمل التجاري وتمثيل مصالح التجار في المدينة.
ومن خلال نشاطه وعلاقاته التجارية، ساهم في تعزيز الحركة الاقتصادية في إربد التي كانت تخدم مناطق واسعة من شمال الأردن والقرى المحيطة بها.
تأسيس سوق الغرايبة
في عام 1978 اتخذ عبد الرحمن عبدالله الغرايبه خطوة مهمة في مسيرته التجارية عندما أسس سوق الغرايبة في مدينة إربد.
بدأت فكرة السوق من دكانه الصغير المقابل لدائرة الجوازات القديمة في شارع عمر بن الخطاب، حيث قام بتطويره وتحويله تدريجياً إلى نواة سوق تجاري.
ومع مرور الوقت توسع السوق ليصبح واحداً من المعالم التجارية البارزة في وسط مدينة إربد.
يمتد السوق:
من شارع ابن زيدون الموازي لشارع السينما من الجهة الجنوبية
ويلتقي مع شارع عمر بن الخطاب في قلب المدينة
وقد لعب السوق منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي دوراً مهماً في تنشيط الحركة الاقتصادية في المنطقة، حيث احتضن العديد من المحال التجارية وأصبح مقصداً للمتسوقين من داخل المدينة وخارجها.
ولا يزال السوق حتى اليوم شاهداً حياً على رؤية مؤسسه وإسهامه في ازدهار مدينة إربد التجارية.
شخصية إنسانية وحضور اجتماعي
عرفه من تعامل معه بأنه رجل هادئ الطباع، متزن في قراراته، قريب من الناس، يحرص على التعامل مع الآخرين باحترام وتقدير.
وكان يؤمن بأن نجاح التاجر لا يقوم على الأرباح وحدها، بل على السمعة الطيبة والاستقامة في التعامل.
كما عُرف بميله إلى مساعدة الآخرين، وخاصة التجار الشباب الذين كانوا في بداية طريقهم في السوق، حيث كان يقدم لهم النصح والخبرة التي اكتسبها عبر سنوات طويلة من العمل.
إرثه في ذاكرة المدينة
استمر اسم عبد الرحمن عبدالله الغرايبه مرتبطاً بسوق الغرايبة الذي أصبح جزءاً من المشهد التجاري لمدينة إربد، وأحد أسواقها الشعبية المعروفة.
فالسوق الذي بدأ بفكرة بسيطة ودكان صغير تحول مع الزمن إلى مركز تجاري نابض بالحياة، يعكس روح المبادرة والعمل الدؤوب الذي اتسم به مؤسسه.
وقد توفي رحمه الله عام 2013 بعد حياة طويلة امتدت لأكثر من تسعين عاماً، شهد خلالها تحولات كبيرة في تاريخ الأردن والمنطقة.
يمثل عبد الرحمن عبدالله الغرايبه نموذجاً لجيلٍ من التجار الذين أسهموا في بناء اقتصاد مدنهم بصبرٍ واجتهاد، في زمن كانت فيه التجارة قائمة على الثقة والصدق والالتزام بالكلمة.
وقد بقي اسمه مرتبطاً بواحد من أهم الأسواق الشعبية في مدينة إربد، ليظل حضوره حياً في ذاكرة المدينة وتاريخها التجاري.
رحم الله عبد الرحمن عبدالله الغرايبه،
وجعل ما قدمه لمدينته جزءاً من تاريخها الاقتصادي والاجتماعي.
