عبدالحميد عليان عبدالله الغرايبة
(1940 – 2019)
المرحوم الدكتور عبدالحميد (حميد) عليان عبدالله الغرايبة
طبيب الباطنية الذي عاش للمهنة والناس
كان الدكتور عبد الحميد غرايبة من أولئك الأطباء الذين لا تُقاس سيرتهم بعدد الشهادات أو سنوات الخدمة فحسب، بل بما تركوه من أثر في نفوس الناس. فمن عرفه عن قرب كان يدرك أن الطب بالنسبة له لم يكن مجرد مهنة يمارسها، بل رسالة إنسانية يعيشها كل يوم. وكان حضوره الهادئ، وابتسامته اللطيفة، وطريقته الرفيقة في التعامل مع المرضى، تجعل كل من يجلس أمامه يشعر بالطمأنينة قبل أن يبدأ الحديث عن الدواء أو العلاج.
عاش حياته طبيبًا للباطنية، قريبًا من الناس، يعرف همومهم ويصبر على شكواهم، ويعامل الجميع بإنسانية صادقة لا تعرف التمييز بين غني وفقير. ولذلك بقي اسمه حاضرًا في ذاكرة كثير من أهالي إربد، الذين عرفوه طبيبًا متواضعًا وصاحب قلب كبير.
النشأة والبدايات
وُلد الدكتور عبد الحميد غرايبة في آذار من عام 1940، ونشأ في بيئة تقدّر العلم والعمل. ومنذ سنواته الدراسية الأولى ظهر تميّزه الواضح، فقد كان طالبًا مجتهدًا شديد الذكاء، حتى أنه حقق في امتحان التوجيهي معدلًا مرتفعًا بلغ 99، وهو رقم يعكس حجم تفوقه العلمي في تلك المرحلة.
وقد فتح له هذا التفوق أبواب دراسة الطب خارج الأردن، فسافر إلى يوغسلافيا ليدرس الطب هناك، في زمن لم يكن السفر للدراسة أمرًا يسيرًا كما هو اليوم. وهناك بدأ أول فصول حياته المهنية، حيث أكمل دراسته الطبية، ثم عمل في المستشفى، واكتسب خبرة عملية واسعة في مجال الطب.
وفي تلك الفترة من حياته تزوج، ورُزق بطفليه مالك وميسون، وبدأ يبني مسيرته العلمية والإنسانية في بيئة جديدة بعيدة عن وطنه.
سنوات الغربة والحنين إلى الوطن
امتدت سنوات غربته خارج الأردن فترة طويلة قاربت ثلاثين عامًا. وعلى الرغم من نجاحه في عمله واستقراره المهني، بقي ارتباطه بوطنه وعائلته قويًا. كان يحمل في داخله دائمًا رغبة بالعودة إلى الأردن وخدمة الناس هناك.
وكانت علاقته بوالدته من أكثر العلاقات تأثيرًا في حياته. فقد كان يتمنى أن يعود يومًا ليكون الطبيب الذي يعالجها ويخفف عنها، خصوصًا بعدما فقدت بصرها في سنواتها الأخيرة. غير أن القدر سبق هذه الأمنية، إذ عاد إلى الأردن بعد أن كانت قد توفيت، ولم تتح له الفرصة لرؤيتها أو معالجتها كما كان يتمنى.
وقد تركت هذه القصة أثرًا عميقًا في نفسه، وظلت واحدة من الذكريات المؤثرة في حياته.
العودة إلى إربد وفتح العيادة
بعد سنوات طويلة من العمل في الخارج عاد الدكتور عبد الحميد إلى الأردن، واستقر في مدينة إربد. وهناك بدأ مرحلة جديدة من حياته المهنية، فافتتح عيادته الخاصة في شارع بغداد، قرب دوار البريد، وهي منطقة معروفة في المدينة.
وفي هذه العيادة بدأت صفحة مختلفة من سيرته. فقد أصبح طبيبًا قريبًا من الناس، يستقبل مرضاه بهدوء وصبر، ويعامل الجميع بإنسانية واضحة. لم يكن يكتفي بتشخيص المرض ووصف الدواء، بل كان يستمع إلى المريض باهتمام، ويمنحه الوقت الكافي لشرح حالته، وهو أمر كان يميزه عن كثير من الأطباء.
وقد تزوج مرة أخرى في عام 1996، ورُزق بابنة سماها أمْنة، تيمّنًا باسم والدته، وكأن في ذلك تعبيرًا عن وفائه العميق لها.
الطب رسالة قبل أن يكون مهنة
كان الدكتور عبد الحميد يؤمن أن الطبيب الحقيقي لا يكتفي بعلاج المرض، بل يسعى إلى خدمة المجتمع أيضًا. ولذلك كان دائم الاستعداد لمساعدة المحتاجين، وكان كثيرًا ما يقدم الدواء أو العلاج لمن لا يستطيع دفع تكاليفه.
ومن المواقف التي بقيت في ذاكرة من عرفه أنه تطوع لمدة عام كامل لفحص طلاب المدرسة الأسقفية العربية في إربد، حيث كان يجري الفحوصات الطبية للأطفال دون مقابل، إيمانًا منه بأهمية الرعاية الصحية للطلاب.
وقد ذكرت المدرسة في كلمات رثائها له بعد وفاته أنه كان من أوائل الأطباء الذين بادروا لخدمة طلابها، وأنه قدم لهم هذه الخدمة الإنسانية بروح طيبة ومحبة صادقة.
شخصيته بين المرضى
كان محبوبًا من الصغار والكبار. فكثير ممن زاروا عيادته كانوا يخرجون منها وهم يشعرون بالراحة والاطمئنان. لم يكن صوته مرتفعًا، ولم يكن متعجلًا في حديثه، بل كان هادئًا لطيفًا، يستمع جيدًا، ويشرح للمريض حالته بلغة بسيطة يفهمها الجميع.
وكان يتميز بطول البال والصبر، وهي صفات ضرورية لطبيب الباطنية الذي يتعامل مع حالات متعددة ومعقدة. لذلك كان مرضاه يشعرون بأنهم أمام طبيب يهتم بهم فعلًا، لا مجرد طبيب يؤدي عمله.
الصبر على المرض
في السنوات الأخيرة من حياته تعرض الدكتور عبد الحميد لجلطة أثرت على قدرته على الكلام، وأصبحت كلماته ثقيلة أحيانًا. لكن المرض لم يمنعه من الاستمرار في أداء واجبه.
فقد ظل يذهب إلى عيادته ويستقبل المرضى، وإذا صعب عليه الكلام كان يكتب أسماء الأدوية والتعليمات في دفتر خاص، حتى يضمن أن العلاج يصل إلى المريض بشكل صحيح.
وكان يقول لمن حوله عبارة تعبّر عن قوة إرادته:
“بدي أموت وأنا ماشي… ما بدي أموت وأنا عاجز.”
وقد بقي متمسكًا بعمله قدر استطاعته، لأنه كان يرى في الطب رسالة لا يمكن التخلي عنها بسهولة.
أيامه الأخيرة ورحيله
في الأيام الأخيرة من حياته شعر بتعب شديد، فنُقل إلى المستشفى لإجراء الفحوصات. وكان الأطباء في البداية يعتقدون أن ما أصابه قد يكون جلطة أخرى، لكن الفحوصات أظهرت وجود التهاب رئوي.
ولم تمضِ سوى فترة قصيرة حتى اشتد المرض عليه، فانتقل إلى رحمة الله يوم الجمعة 8 تشرين الثاني 2019.
وكان خبر وفاته صادمًا لكثير من الناس الذين عرفوه طبيبًا وإنسانًا. وانتشرت كلمات التعزية التي تذكر أخلاقه الطيبة وخدمته للناس، كما نعتْه المدرسة الأسقفية العربية بكلمات مؤثرة استذكرت فيها عطاءه الإنساني.
إرثه الإنساني
رحل الدكتور عبد الحميد غرايبة، لكن ذكراه بقيت حاضرة في قلوب من عرفوه. فقد كان نموذجًا للطبيب الذي يجمع بين العلم والإنسانية، وبين المعرفة الطبية والتواضع.
ترك وراءه أبناءه وعائلته ومحبيه، وترك أيضًا أثرًا طيبًا في ذاكرة مرضاه الذين عرفوه طبيبًا صادقًا في عمله، رحيمًا في تعامله.
ولعل أفضل ما يقال عنه أنه كان طبيبًا لا يبحث عن الشهرة، بل عن رضا الله وخدمة الناس. ولذلك بقي اسمه محفورًا في الذاكرة بوصفه الطبيب الإنسان قبل أي لقب آخر.
