(1943 – 2019)
المرحوم جودت سالم محمد اللحام غرايبة
أحد روّاد العمل التقني في الطيران والهندسة التطبيقية في شمال الأردن
وُلد المرحوم جودت غرايبة عام 1943 في بلدة حوّارة في محافظة إربد شمال الأردن، في زمنٍ كانت فيه البلاد تخطو خطواتها الأولى نحو بناء مؤسسات الدولة الحديثة. نشأ في بيئةٍ عُرفت بالبساطة والاعتماد على الذات، حيث كان أبناء تلك المرحلة يتعلمون مبكراً قيمة العمل والالتزام، ويكتسبون مهاراتهم من التجربة اليومية ومن روح المسؤولية التي كانت سمة جيل كامل من أبناء الأردن.
ومنذ سنواته الأولى، كان جودت غرايبة يميل إلى الأعمال التقنية والميكانيكية، ويجد في الآلات والعدد لغةً يفهمها بطبيعته الفطرية. كانت لديه قدرة لافتة على التعامل مع الأجهزة والأدوات، وهو ما جعله يسلك طريقاً مهنياً ارتبط بعالم الطيران والهندسة التطبيقية، ليصبح لاحقاً أحد الكوادر الفنية التي أسهمت في بناء البنية التقنية في أكثر من مؤسسة وطنية.
البدايات في سلاح الجو الملكي الأردني
في مرحلة شبابه التحق بسلاح الجو الملكي الأردني، وهو أحد أعمدة القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي. وهناك بدأ عمله فنيَّ صيانة طيران، وهو تخصص دقيق يتطلب معرفة عميقة بأنظمة الطائرات ومحركاتها ومكوناتها الفنية.
كانت تلك الفترة من تاريخ الأردن مرحلة توسع وتحديث في القوات الجوية، حيث كانت الدولة تعمل على تطوير قدراتها العسكرية والتقنية. وفي هذا السياق عمل جودت غرايبة ضمن فرق الصيانة الفنية للطائرات، حيث اكتسب خبرة عملية واسعة في فحص الطائرات وصيانة محركاتها وأنظمتها الميكانيكية.
عرفه زملاؤه في تلك المرحلة بصفاته التي لازمته طوال حياته: الانضباط، الدقة، والهدوء في العمل. كان ينتمي إلى ذلك النوع من الفنيين الذين لا يكتفون بالمعرفة النظرية، بل يفهمون الآلة في تفاصيلها الدقيقة، ويستطيعون التعامل مع الأعطال والمشكلات التقنية بحسٍّ عملي متقن.
وقد شكلت تلك السنوات الأساس الحقيقي لخبرته المهنية التي سترافقه لاحقاً في محطات أخرى من حياته.
في الملكية الأردنية: استمرار المسيرة التقنية
بعد سنوات خدمته العسكرية، انتقل جودت غرايبة إلى العمل في شركة الملكية الأردنية للطيران، التي كانت تمثل آنذاك الناقل الوطني للمملكة وأحد رموز تطور قطاع الطيران المدني في الأردن.
هناك واصل عمله في مجال صيانة الطائرات والخدمات الفنية للطيران، مستفيداً من خبرته السابقة في سلاح الجو. وقد شهدت تلك المرحلة توسعاً ملحوظاً في حركة الطيران المدني الأردني، الأمر الذي تطلب وجود كوادر فنية عالية الكفاءة قادرة على التعامل مع التقنيات الحديثة للطائرات.
كان جودت غرايبة من بين هؤلاء الفنيين الذين عُرفوا بمهارتهم العملية وبقدرتهم على التعامل مع الأنظمة الميكانيكية المعقدة للطائرات، وهي مهارة لا تُكتسب إلا عبر سنوات طويلة من العمل الميداني والتجربة المباشرة.
نحو التعليم الهندسي: مرحلة جامعة اليرموك
مع توسع التعليم الجامعي في الأردن في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، بدأت الجامعات الأردنية تبحث عن كوادر تقنية تمتلك خبرة عملية حقيقية في الصناعة والهندسة التطبيقية. وكان جودت غرايبة أحد أولئك الذين انتقلوا بخبرتهم من ميدان العمل الفني إلى البيئة الأكاديمية.
التحق بالعمل في جامعة اليرموك في إربد، حيث شارك في تأسيس وتشغيل المختبرات الهندسية التي كانت آنذاك في طور البناء والتطوير. وكانت تلك المختبرات تشكل العمود الفقري للتعليم الهندسي العملي، حيث يتعلم الطلبة من خلالها كيفية تطبيق النظريات العلمية على الواقع التقني.
في تلك المختبرات كان جودت غرايبة أكثر من مجرد فني تشغيل أجهزة؛ فقد كان بالنسبة لكثير من الطلبة معلماً عملياً يشرح الهندسة بلغة التجربة والعمل، وينقل إليهم خلاصة خبرته الطويلة في التعامل مع الآلات والأجهزة.
من المؤسسين الأوائل في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية
وعندما تأسست جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية في محافظة إربد، في إطار تطوير التعليم الهندسي والتقني في الأردن، كان جودت غرايبة من بين الكوادر التي شاركت في تأسيس مختبرات الهندسة الميكانيكية ومختبرات صيانة الطائرات في الجامعة.
كانت تلك المرحلة مرحلة تأسيس حقيقية، حيث كانت المختبرات تُنشأ من الصفر، وتُجهّز بالأجهزة والمعدات الحديثة لتدريب الطلبة وتأهيلهم لسوق العمل. وقد ساهم جودت غرايبة بخبرته الطويلة في:
تجهيز المختبرات الهندسية
تشغيل المعدات التقنية
تدريب الطلبة على الاستخدام العملي للأجهزة
نقل الخبرة التطبيقية من قطاع الطيران إلى التعليم الهندسي
وقد بقي أثره واضحاً في تلك المختبرات التي أصبحت فيما بعد جزءاً أساسياً من البنية التعليمية التي خرّجت أجيالاً من المهندسين الأردنيين.
شخصيته في محيط العمل
كان المرحوم جودت غرايبة معروفاً بين زملائه وطلبته بصفاته الإنسانية الهادئة. لم يكن من أولئك الذين يسعون إلى الأضواء أو الشهرة، بل كان من الرجال الذين يعملون بصمت وإخلاص.
جمع بين الصرامة المهنية التي اكتسبها من العمل العسكري وبين روح الأبوة التي كان يتعامل بها مع الطلبة الشباب. وكان كثيراً ما يحرص على أن يتعلم الطلبة كيفية فهم الآلات والأجهزة عملياً، لا أن يكتفوا بدراسة النظريات فقط.
ولهذا بقي اسمه حاضراً في ذاكرة كثير من المهندسين الذين مروا عبر تلك المختبرات في سنوات تأسيسها الأولى.
الرحيل
بعد مسيرة طويلة من العمل في الطيران والهندسة التطبيقية والتعليم التقني، رحل جودت غرايبة عن الدنيا عام 2019، تاركاً وراءه سيرة رجلٍ ساهم في بناء جزء مهم من البنية التقنية في مؤسسات متعددة في الأردن.
كان من أولئك الرجال الذين عملوا في صمتٍ وإخلاص، لكن أثرهم بقي في المؤسسات التي شاركوا في تأسيسها، وفي الأجيال التي تعلمت على أيديهم.
إرثه
يمثل جودت غرايبة نموذجاً لجيلٍ من الأردنيين الذين جمعوا بين الخبرة العملية والانتماء الوطني والعمل المؤسسي. وقد ارتبط اسمه بثلاث محطات مهمة في تاريخ العمل التقني في الأردن:
سلاح الجو الملكي الأردني
شركة الملكية الأردنية للطيران
الجامعات الأردنية، ولا سيما جامعة اليرموك وجامعة العلوم والتكنولوجيا
وفي هذه المحطات جميعها ترك بصمته كأحد الفنيين الذين ساهموا في نقل المعرفة التقنية من ميادين العمل إلى قاعات التعليم.
وهكذا تبقى سيرته جزءاً من ذاكرة الرجال الذين أسهموا في بناء المؤسسات، وتركوا خلفهم أثراً هادئاً لكنه عميق في مسيرة التعليم والهندسة والطيران في الأردن.
