حسن رشيد غرايبة
(1929 – 2005)
المرحوم الدكتور حسن الرشيد الغرايبه (أبو محمد)
سيرة الأرض… والعلم… والوفاء للجذور
لم يكن الدكتور حسن رشيد الغرايبة مزارعًا بالعلم والدراسة فحسب، بل كان ابن الأرض قبل كل شيء؛ مزارعًا عتيقًا ورث حبّ التراب جيلاً بعد جيل، وسليل سهل حوران الذي شكّل عبر التاريخ مخزن القمح ومصدر الخبز للإمبراطورية الرومانية، وموطنًا متواصلًا للزراعة منذ ما يزيد على ثمانية آلاف عام قبل الميلاد. ففي هذه البقعة من الأرض، قامت حضارات الأردن القديمة، من مستوطنات عين غزال إلى ممالك عمّون وحشبون ومؤاب وأدوم، وبلغت ذروة تنظيمها الزراعي في العهد النبطي، حيث شكّلت الزراعة الركيزة الأساسية للاستقرار والازدهار.
ولد الدكتور حسن الغرايبة في بلدة حوّارة القريبة من مدينة إربد، في الامتداد الجنوبي لسهل حوران الخصيب، عام 1929م، في وقت كانت فيه الدولة الأردنية الناشئة تواجه أعباء التأسيس بموارد محدودة وطموحات كبيرة. نشأ في كنف والده الحاج رشيد الغرايبة، المزارع بالوراثة، ووالدته الحاجة خديجة الحسين الخطيب، في بيتٍ عُرفت فيه فلاحة الأرض وتربية الماشية بوصفها نمط حياة لا مجرد حرفة. وفي بيئة ريفية قاسية، شحيحة المياه، متقلّبة الأمطار، تعلّم منذ صغره أن المعرفة الزراعية ليست ترفًا، بل شرط بقاء.
لم يعرف طفولة مترفة؛ فقد شارك أهله العمل في الأرض منذ سنواته الأولى، كما تلقى دروسه الأولى في الكتّاب، ثم التحق بالمدارس الابتدائية في إربد. وبرغم صعوبة الظروف المعيشية والأعمال الزراعية الشاقة، تميّز بتفوّقه الدراسي، وكان دائمًا من الطلبة الأوائل. وبعد إنهاء المرحلتين الابتدائية والإعدادية، لم تقف الظروف حائلًا دون طموحه في إكمال تعليمه الثانوي، في وقتٍ كانت فيه هذه المرحلة التعليمية غير متاحة إلا للقلة.
انتقل إلى مدينة السلط، التي احتضنت أول مدرسة ثانوية في الأردن، والتي خرّجت نخبة من رجالات الدولة في تلك المرحلة. أقام هناك عامًا دراسيًا واحدًا، تعرّف خلاله على طلبة من مختلف مناطق المملكة، واكتسب استقلالية مبكرة أثرت في شخصيته. ومع افتتاح مدرسة ثانوية في إربد، عاد إليها، وكان من ضمن أوائل الفوج الذي حصل على شهادة الثانوية العامة من مدرسة إربد. ورغم أن هذه الشهادة كانت تؤهله لوظيفة حكومية مستقرة، إلا أنه اختار مواصلة طريق العلم.
سافر إلى جمهورية مصر العربية، مغادرًا وطنه للمرة الأولى، والتحق بـ جامعة القاهرة، إحدى أعرق الجامعات العربية، حيث درس في كلية الزراعة متخصصًا في العلوم الزراعية. وفي القاهرة، انفتح على محيط ثقافي عربي واسع، وبنى علاقات فكرية وإنسانية مع طلبة من مختلف الأقطار، وتعزّق وعيه العلمي وحبه للأرض بوصفها أساس التنمية والسيادة الغذائية. وبعد أربع سنوات من الدراسة، نال درجة البكالوريوس في العلوم الزراعية، وعاد إلى الأردن متحفزًا لتوظيف علمه في خدمة الزراعة الوطنية.
بدأ مسيرته العملية في مجال التدريس، فعُيّن مدرسًا في كلية الجبيهة الزراعية، وتميّز بأسلوبه العلمي الحديث وحبه للمهنة، ما انعكس أثرًا واضحًا على طلبته. ونظرًا لتفوّقه الأكاديمي، قررت الحكومة إيفاده في بعثة دراسية إلى جامعة إدنبرة في المملكة المتحدة، حيث أمضى عامين متخصصًا في العلوم الزراعية، ونال عام 1957م تأهيلًا علميًا متقدمًا كأستاذ متخصص.
بعد عودته، التحق بـ وزارة الزراعة، وعُيّن مراقبًا لمشروع تربية الحيوان بين عامي 1958 و1959، ثم ضابط أبحاث في تربية الحيوان، في فترة أولت فيها الدولة البحث العلمي الزراعي أهمية خاصة لتحسين الإنتاج ومواجهة النمو السكاني المتزايد. وفي عام 1962م عُيّن مدير زراعة، غير أن مسيرته العلمية لم تتوقف عند هذا الحد، إذ أوفدته الوزارة عام 1963م إلى جامعة نيو ساوث ويلز في أستراليا، حيث حصل على درجة الدكتوراه في تربية الأغنام.
عاد إلى الأردن عام 1966م ليُعيّن أخصائي أبحاث في وزارة الزراعة، ثم أصبح رئيسًا لقسم أبحاث الثروة الحيوانية، وأسندت إليه مهام مراقب مشاريع الثروة الحيوانية وتربية الأسماك، ولاحقًا مستشارًا في الأعلاف والمراعي ضمن مشاريع دائرة البحث العلمي الزراعي. وكان له دور محوري في دعم مربي المواشي، وتطوير المراعي الطبيعية، وتطبيق أسس علمية حديثة في إدارة الموارد الزراعية.
وبسبب مكانته العلمية وخبرته المتقدمة، انتُدب للعمل في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث شغل منصب مدير زراعة، وأسهم في وضع أسس زراعية ملائمة للظروف المناخية في الخليج العربي. وبعد عودته إلى الأردن، عُيّن مديرًا لإدارة البحث العلمي والإرشاد الزراعي، ثم شهدت مسيرته محطة بارزة عندما عُيّن أمينًا عامًا لوزارة الزراعة خلال الفترة 1978–1980م، حيث ركّز على تعزيز البحث العلمي وتطوير الإرشاد الزراعي.
في عام 1983م، عُيّن عضوًا في المجلس الوطني الاستشاري، وكان من أبرز الناشطين فيه، ومقررًا للجنة الزراعية. كما رشحته الحكومة الأردنية لمنصب الأمين العام المساعد لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية، وهو المنصب الذي شغله خلال الفترة 1985–1990م، وأسهم من خلاله في تعزيز حضور الأردن داخل المنظومة الاقتصادية العربية. وشارك خلال مسيرته في مؤتمرات وندوات إقليمية ودولية، ونشر بحوثًا ودراسات متخصصة، وعمل مستشارًا لعدد من المؤسسات الدولية في سوريا والمملكة العربية السعودية.
ظل الدكتور حسن الغرايبة وفيًّا للأرض حتى آخر أيامه، مؤمنًا بأن الزراعة ليست ماضيًا فحسب، بل ضمانة المستقبل. وقد وافته المنية في شباط/فبراير عام 2005م، تاركًا إرثًا علميًا ومهنيًا كبيرًا، وأثرًا طيبًا في نفوس طلابه وزملائه وكل من عملوا معه.
سيبقى، كالأشجار المثمرة، يعطي بصمت…
ويبقى حاضرًا في القلوب ما بقيت أرضٌ تُنبت الحياة.
